أزمة الوقود.. مستشفيات غزة على حافة التوقف وحياة المدنيين في خطر
أزمة الوقود.. مستشفيات غزة على حافة التوقف وحياة المدنيين في خطر
يعيش قطاع غزة واحدة من أخطر مراحله الإنسانية مع استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال السولار والمحروقات، في وقت تعتمد فيه حياة أكثر من مليوني إنسان على استمرار عمل المستشفيات والمرافق الحيوية، وبينما تتراكم الأزمات الصحية والبيئية والخدمية، تتصاعد التحذيرات من كارثة وشيكة قد تعصف بما تبقى من مقومات الحياة في القطاع المحاصر.
وفي هذا السياق، أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان، في بيان صدر اليوم الخميس، عن قلق بالغ إزاء مواصلة سلطات الجيش الإسرائيلي عرقلة إدخال كميات كافية ومنتظمة من الوقود إلى قطاع غزة، محذرا من أن "هذه السياسة تهدد بشكل مباشر جهود الاستجابة الإنسانية، وتشكل انتهاكا صارخا لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما الالتزامات المفروضة على قوة الاحتلال تجاه السكان المدنيين".
شلل تدريجي في القطاع الصحي
أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن القيود المشددة والمماطلة المتعمدة في إدخال السولار اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية انعكست بصورة خطيرة على القطاع الصحي، فقد اضطرت عدة مستشفيات ومرافق طبية إلى تقليص خدماتها أو التوقف عن العمل بشكل كامل في فترات متكررة، فيما تعمل مستشفيات أخرى بشكل غير مستقر، معتمدة على كميات محدودة من الوقود لا تكفي لضمان استمرارية العمل.
وأشار المركز إلى أن هذا الوضع يهدد حياة آلاف المرضى والجرحى، خاصة في أقسام العناية المركزة وغرف العمليات وحضانات الأطفال، حيث يعني انقطاع الكهرباء توقف أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة مراقبة العلامات الحيوية وتعطل العمليات الجراحية الطارئة، وفي ظل استمرار العدوان وتزايد أعداد المصابين يصبح نقص الوقود عاملا قاتلا يضاف إلى القصف والجراح.
تداعيات تتجاوز المستشفيات
لم تقتصر آثار نقص الوقود على القطاع الصحي فحسب، بل امتدت لتشمل مختلف مناحي الحياة اليومية في غزة، فقد تضررت بشكل كبير خدمات المياه والصرف الصحي، مع توقف أو تقليص عمل محطات الضخ والمعالجة، ما أدى إلى تلوث مصادر المياه وانتشار الروائح الكريهة والمخاطر الصحية، كما تعطلت خدمات جمع النفايات، وتراكمت القمامة في الشوارع ومحيط مراكز الإيواء، مهددة بانتشار الأوبئة والأمراض المعدية.
وشملت التداعيات أيضا قطاع الاتصالات والمخابز ووسائل النقل، حيث أدى نقص الوقود إلى صعوبة تشغيل شبكات الاتصال والإنترنت، وتعثر إنتاج الخبز، وارتفاع تكاليف التنقل، ما زاد من معاناة المدنيين الذين يعيشون أصلا تحت وطأة الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي في غزة، وأكد المركز أن هذه الظروف مجتمعة تخلق بيئة غير صالحة للحياة، وتدفع السكان نحو حافة الانهيار الإنساني.
الوقود كأداة عقاب جماعي
شدد مركز غزة لحقوق الإنسان على أن استخدام الوقود كوسيلة للضغط وفرض العقاب الجماعي على السكان المدنيين يشكل جريمة بموجب القانون الدولي الإنساني، وينتهك بشكل مباشر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقوبات الجماعية، وأوضح أن حرمان المدنيين من الوقود اللازم لتشغيل المرافق الأساسية لا يمكن تبريره بأي اعتبارات أمنية، بل يمثل سياسة ممنهجة لإلحاق أكبر قدر من الضرر بالسكان المدنيين.
وأضاف المركز أن هذه الانتهاكات لا تسقط بالتقادم، وأن المسؤولية القانونية تقع بشكل كامل على سلطات إسرائيل بصفتها قوة احتلال تسيطر فعليا على المعابر والموارد الحيوية، وتتحكم في تدفق الإمدادات الأساسية إلى القطاع.
دعوات عاجلة للتحرك الدولي
طالب مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والأمم المتحدة وجميع الجهات الفاعلة بالتحرك العاجل والضغط الفوري على إسرائيل للسماح بإدخال كميات كافية ومنتظمة من السولار والمحروقات دون قيود أو شروط، وأكد أن ضمان استمرارية عمل المستشفيات والمرافق الحيوية لم يعد مسألة إنسانية فحسب، بل ضرورة ملحة لإنقاذ الأرواح ومنع الانهيار الكامل للمنظومة الخدمية.
كما دعا المركز إلى محاسبة سلطات الاحتلال على الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها بحق المدنيين في قطاع غزة، محذرا من أن استمرار هذه السياسات سيقود إلى انهيار شامل في القطاعات الصحية والبيئية والخدمية، ويشكل تهديدا مباشرا لحقوق السكان في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية.
غزة في قلب حرب طويلة
يأتي هذا التحذير في ظل حرب مدمرة تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، شملت القتل والتجويع والتدمير والتهجير والاعتقال، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العمليات العسكرية، وقد أسفرت هذه الحرب عن سقوط أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم.
كما تسببت الحرب في مجاعة حقيقية أزهقت أرواح العديد من المدنيين، خاصة الأطفال، إلى جانب دمار واسع طال معظم مدن القطاع وبناه التحتية، حيث تعرضت المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء لدمار جزئي أو كلي، ما فاقم من حجم الكارثة الإنسانية.
يعتمد قطاع غزة بشكل شبه كامل على الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء منذ سنوات، ومع تدمير جزء كبير من البنية التحتية خلال الحرب الأخيرة، وتشكل المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي والمخابز أبرز المرافق التي تحتاج إلى إمدادات منتظمة من السولار لضمان الحد الأدنى من الخدمات، وبموجب القانون الدولي الإنساني، تتحمل قوة الاحتلال مسؤولية ضمان توفير الإمدادات الأساسية للسكان المدنيين، بما في ذلك الغذاء والدواء والوقود، إلا أن القيود المفروضة على إدخال الوقود إلى غزة حولته إلى أداة ضغط سياسي وعسكري، ما أدى إلى تفاقم معاناة المدنيين ورفع مستوى المخاطر الصحية والبيئية.
وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن استمرار هذه السياسات ينذر بانهيار إنساني شامل، ويقوض أي فرص للتعافي أو إعادة الإعمار في المستقبل القريب.











