مواليد غزة في مهب الخطر.. تصاعد غير مسبوق في التشوهات ووفيات حديثي الولادة
مواليد غزة في مهب الخطر.. تصاعد غير مسبوق في التشوهات ووفيات حديثي الولادة
تشهد أقسام الولادة وحضانات الأطفال في قطاع غزة واقعاً إنسانياً بالغ القسوة مع تسجيل ارتفاع خطر وغير مسبوق في حالات التشوهات الخلقية ووفيات حديثي الولادة في ظل استمرار الحرب وتدهور الظروف الصحية والمعيشية، ودق أطباء القطاع الصحي ناقوس الخطر، محذرين من أن ما يجري لم يعد حالات فردية معزولة بل تحول مقلق يهدد مستقبل جيل كامل من الأطفال.
تحذيرات طبية من قلب الميدان
في هذا السياق حذر رئيس قسم الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس الدكتور أحمد الفرا، الخميس، من تصاعد مقلق في أعداد المواليد الذين يعانون تشوهات خلقية خطرة أو يولدون قبل اكتمال نموهم الطبيعي، مؤكداً أن الواقع الصحي في غزة بات يهدد حياة الأمهات وأطفالهن بشكل مباشر في ظل نقص الغذاء والدواء وانهيار منظومة الرعاية الصحية.
ارتفاع في التشوهات والولادات المبكرة
وأوضح الفرا أن مجمع ناصر الطبي يسجل ارتفاعاً شهرياً ملحوظاً في حالات التشوهات الخلقية والولادات المبكرة خصوصاً بين الأسبوعين 30 و36 من الحمل، وأشار إلى أن معظم الأطفال الذين يولدون خلال هذه الفترة يعانون أوزاناً منخفضة تقل عن 2000 غرام وهو ما يعكس بشكل واضح حجم التأثير الذي يتركه سوء التغذية على صحة الأمهات خلال الحمل.
وأضاف أن الأشهر الأولى من الحمل تمثل مرحلة حاسمة في تكوين الجنين وأن غياب الغذاء الصحي المتوازن والمكملات الأساسية -وعلى رأسها الحديد- ينعكس مباشرة على نمو الجنين وتطور أجهزته الحيوية، وأكد أن نقص هذه العناصر يعوق النمو الطبيعي للجهاز العصبي ويزيد من احتمالات حدوث تشوهات خلقية ومضاعفات صحية قد تلازم الطفل طول حياته.
بيئة ملوثة ومخاطر مضاعفة
ولم تتوقف أسباب الأزمة عند حدود سوء التغذية فقط بل تمتد لتشمل عوامل بيئية خطيرة فرضتها ظروف الحرب على غزة، وأشار الفرا إلى أن تلوث المياه وانتشار الدخان الناتج عن حرق الحطب في ظل انعدام مصادر الطاقة الكهربائية باتا من أبرز العوامل التي تسهم في زيادة التشوهات أثناء الحمل، وأوضح أن هذه الملوثات تؤثر بشكل مباشر في صحة الحوامل وتعرض الأجنة لمخاطر جسيمة يصعب تداركها لاحقاً.
حالات نادرة ومشهد طبي صادم
وكشف الفرا عن تسجيل حالات تشوه غير مألوفة ونادرة لم تكن تسجل بهذا الشكل قبل الحرب، ومن بين هذه الحالات أورام خلقية وعيوب خطيرة في القلب والجهاز الهضمي إضافة إلى عدم اكتمال نمو الدماغ، كما أشار إلى ولادة أطفال دون فتحة شرج أو بأمعاء غير متصلة وهي حالات تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً وإمكانات طبية متقدمة لا تتوفر في كثير من الأحيان داخل قطاع غزة.
وأكد أن بعض هؤلاء المواليد يفارقون الحياة بعد أيام قليلة من ولادتهم بسبب عدم توفر الرعاية اللازمة، في حين يحتاج آخرون إلى عمليات جراحية معقدة أو إلى تغذية وريدية مستمرة للبقاء على قيد الحياة، وأشار إلى أن الطواقم الطبية تعمل في ظروف شديدة القسوة مع نقص حاد في المستلزمات الطبية والأدوية والأجهزة الأساسية.
قفزة صادمة في وفيات حديثي الولادة
ومن أخطر المؤشرات التي كشف عنها الفرا الارتفاع الكبير في معدل وفيات حديثي الولادة في قطاع غزة، فبحسب البيانات الطبية قفز المعدل من 9 حالات وفاة لكل ألف مولود قبل الحرب إلى نحو 35 وفاة لكل ألف مولود خلال عامين من العدوان، ووصف الفرا هذا الارتفاع بأنه مؤشر بالغ الخطورة يعكس انهياراً شبه كامل في منظومة صحة الأم والطفل.
وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل قصص إنسانية موجعة لأسر تفقد أبناءها في أيامهم الأولى وسط عجز طبي وغياب للدعم الصحي والنفسي. وأكد أن استمرار هذا الوضع يعني أن المزيد من الأطفال سيولدون في ظروف تهدد حياتهم منذ اللحظة الأولى.
توقف البرامج الوقائية وتفاقم الأزمة
وأسهم توقف برامج متابعة الحوامل والفحوصات الدورية المبكرة في تعميق الأزمة الصحية، وأوضح الفرا أن آلاف النساء الحوامل حرمين من الرعاية الوقائية الأساسية بسبب تدمير المراكز الصحية ونقص الكوادر والمستلزمات، كما أن غياب أجهزة الكشف المبكر عن التشوهات الخلقية والاضطرابات الجينية حرم الأطباء من فرصة التدخل المبكر أو التخطيط الطبي السليم للحالات المعقدة.
وأضاف أن هذا الانقطاع في المتابعة الطبية أدى إلى اكتشاف كثير من التشوهات بعد الولادة فقط عندما تكون الخيارات العلاجية محدودة والمخاطر كبرى على حياة الطفل.
نداء إنساني عاجل
وفي ختام تصريحاته وجه الفرا نداءً عاجلاً إلى الجهات المعنية والمنظمات الدولية بضرورة إدخال الأجهزة الطبية والمستلزمات الضرورية بشكل فوري وإعادة تفعيل برامج صحة الأم والطفل في قطاع غزة، وحذر من أن استمرار الوضع الحالي ينذر بكارثة صحية وإنسانية واسعة النطاق تهدد حياة آلاف المواليد وتقوض مستقبل جيل كامل.
يعاني قطاع غزة منذ سنوات من تدهور مستمر في النظام الصحي نتيجة الحصار ونقص الموارد، إلا أن الحرب الأخيرة فاقمت الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة، فقد تضررت المستشفيات والمراكز الصحية وتراجعت قدرة الطواقم الطبية على تقديم الرعاية اللازمة للحوامل وحديثي الولادة، وفي ظل انعدام الأمن الغذائي وتلوث المياه وشح الكهرباء باتت صحة الأمهات والأطفال من أكثر القطاعات تضرراً، وتشير تقارير طبية وحقوقية إلى أن انهيار منظومة صحة الأم والطفل لا يهدد فقط الحاضر، بل يترك آثاراً طويلة الأمد على البنية الصحية والاجتماعية للمجتمع في غزة، ما يجعل التدخل العاجل ضرورة إنسانية لا تحتمل التأجيل.











