العراق يفتح ملفات العدالة مع معتقلي تنظيم داعش المنقولين من سوريا
العراق يفتح ملفات العدالة مع معتقلي تنظيم داعش المنقولين من سوريا
أكد العراق، اليوم الخميس، عزمه المباشرة الفورية في اتخاذ الإجراءات القضائية بحق معتقلي تنظيم داعش الذين يتسلمهم ضمن عملية نقل واسعة أعلنت الولايات المتحدة انطلاقها، وتهدف إلى نقل ما يصل إلى 7000 معتقل من شمال شرقي سوريا إلى الأراضي العراقية، وتضع الخطوة التي أعادت ملف التنظيم إلى الواجهة القضاء العراقي أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية منذ إعلان هزيمة التنظيم عسكريا.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي في بيان رسمي أن السلطات القضائية ستباشر اتخاذ الإجراءات الأصولية بحق جميع المتهمين الذين سيتم تسلمهم، على أن يتم إيداعهم في المؤسسات الإصلاحية المختصة، والتعامل معهم وفقا للقانون العراقي دون أي استثناء أو تمييز.
مجلس القضاء الأعلى شدد في بيانه على أن جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل تنظيم داعش الإرهابي، سيخضعون حصرا لسلطة القضاء العراقي، وأكد أن الإجراءات القانونية ستطبق بحقهم وفق القوانين النافذة، في رسالة واضحة تؤكد تمسك بغداد بمبدأ السيادة القضائية ورفض أي تدخل خارجي في مسار المحاكمات.
عملية نقل واسعة
وكان الجيش الأمريكي قد أعلن، يوم أمس الأربعاء، بدء عملية عسكرية تهدف إلى نقل ما يصل إلى 7000 معتقل من عناصر تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، وتأتي هذه الخطوة في وقت لا يزال فيه العراق يتعافى من آثار سيطرة التنظيم المتطرف على مساحات واسعة من أراضيه بين عامي 2014 و2017، وما رافقها من دمار واسع وخسائر بشرية هائلة.
وأكدت الحكومة العراقية مساء الأربعاء تسلم 150 معتقلا كدفعة أولى ضمن هذه العملية، في مؤشر على أن عمليات النقل ستستمر خلال الفترة المقبلة، وسط ترتيبات أمنية وقضائية مشددة.
سجل قضائي مثقل
على مدى السنوات الماضية، أصدرت المحاكم العراقية عشرات الأحكام بالإعدام والسجن المؤبد بحق مدانين بالانتماء إلى تنظيم داعش، على خلفية قضايا إرهاب وقتل طالت مئات المدنيين والعسكريين، ويعد القضاء العراقي من أكثر الأنظمة القضائية تشددا في التعامل مع قضايا الإرهاب، في ظل ما يعتبره مسؤولون حجم الجرائم غير المسبوق الذي ارتكبه التنظيم.
وفي عام 2019، أصدر القضاء العراقي أحكاما بالإعدام بحق عدد من الأجانب المدانين بالانتماء إلى التنظيم، من بينهم ما لا يقل عن 11 فرنسياً، إلا أن هذه الأحكام لم تنفذ حتى اليوم، ما فتح بابا واسعا للجدل الدولي حول مصير المقاتلين الأجانب المحتجزين.
ملف الأجانب يعود للواجهة
في سبتمبر 2025، كشف مصدر مقرب من التحقيق في قضية 47 جهاديا فرنسيا أنهم سيحاكمون في العراق بعد نقلهم من سوريا، حينها، أعلن جهاز المخابرات العراقية أن هؤلاء الأشخاص ساهموا في جرائم إرهابية وقعت كلها أو بعضها داخل العراق خلال الأعوام من 2014 إلى 2017، إضافة إلى أنشطة شكلت تهديدا مباشرا للأمن القومي العراقي من خارج البلاد.
مركز وطني لتوثيق الجرائم
بعد انتهاء مهمة فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم تنظيم داعش خلال عام 2024، أسس العراق المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي التابع لمجلس القضاء الأعلى، ويهدف هذا المركز إلى مواصلة جمع الأدلة وتوثيق جرائم التنظيم المتطرف، وضمان عدم ضياع الملفات مع تعقيد المشهد الإقليمي والدولي.
ويعد المركز الجهة الرئيسية للتواصل مع الدول المعنية بملفات مكافحة الإرهاب، كما يتولى متابعة الطلبات القضائية العراقية لملاحقة مرتكبي الجرائم المرتبطة بتنظيم داعش داخل العراق وخارجه.
تنسيق قضائي دولي
وشدد مجلس القضاء الأعلى في بيانه على أهمية توثيق وأرشفة الجرائم الإرهابية المرتكبة وفق الأصول القانونية، وبالتنسيق مع المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، وأوضح أن الهدف من ذلك هو تثبيت الوقائع الإجرامية ذات الطابع العابر للحدود، وتعزيز التعاون القضائي الدولي بما يضمن محاسبة الجناة وعدم إفلاتهم من العقاب.
مسؤولون عراقيون أوضحوا أن الإجراءات القانونية ستشمل فرز معتقلي تنظيم داعش وفقا لرتبهم وأدوارهم داخل التنظيم. وبحسب هذه الترتيبات، سيتم إيداع القياديين، بمن فيهم الأجانب، في مركز احتجاز شديد الحراسة قرب مطار بغداد، وهو موقع كان يستخدم سابقا من قبل القوات الأمريكية.
قلق العائلات في أوروبا
عمليات نقل المعتقلين أثارت مخاوف وقلقا متزايدا لدى بعض أقارب عناصر تنظيم داعش المحتجزين في أوروبا، وأعربت امرأة أوروبية، اعتقل أحد أقاربها في سوريا بعد انضمامه إلى التنظيم، عن قلق عائلتها إزاء التقارير التي تحدثت عن نقل السجناء إلى العراق، مشيرة إلى أن الغموض يلف مصيرهم.
وقالت إن العائلة كانت تأمل أن تفضي التطورات الأمنية في سوريا إلى معلومات أوضح حول مصير قريبها، وما إذا كان لا يزال على قيد الحياة أو يعاني من أمراض، معتبرة أن نقل المعتقلين زاد من حالة القلق وعدم اليقين.
قوات سوريا الديمقراطية كانت قد أعلنت في وقت سابق أنها تحرس نحو 10000 مقاتل من تنظيم داعش، في حين لا يزال آلاف النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم محتجزين في مخيمات شمال شرقي سوريا، في ظروف إنسانية معقدة تشكل تحديا كبيرا للمجتمع الدولي.
التأهيل قبل العودة
في المقابل، يخضع العراقيون العائدون من مخيمات تضم أشخاصا يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش في سوريا إلى برامج تأهيل نفسي واجتماعي داخل العراق، ويتم ذلك في مركز الأمل للتأهيل النفسي والمجتمعي الواقع في شمال البلاد، حيث يخضع العائدون لبرامج دعم وإعادة دمج قبل السماح لهم بالعودة إلى مناطقهم الأصلية.
سيطر تنظيم داعش في عام 2014 على مساحات شاسعة من العراق، بما في ذلك مدينة الموصل وأجزاء واسعة من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار، قبل أن تعلن الحكومة العراقية استعادة كامل الأراضي في نهاية عام 2017 بدعم من التحالف الدولي، وخلفت تلك المرحلة آلاف القتلى وملايين النازحين ودمارا هائلا في البنية التحتية. ومع تراجع سيطرة التنظيم عسكريا، برزت تحديات قانونية وإنسانية معقدة تتعلق بمصير آلاف المعتقلين، خصوصا الأجانب منهم، وتواجه بغداد اليوم ضغوطا دولية وداخلية متزايدة لتحقيق العدالة للضحايا، وضمان محاكمات قانونية عادلة، ومنع عودة التنظيم بأشكال جديدة، في ظل واقع إقليمي لا يزال هشاً وتوازنات سياسية وأمنية شديدة التعقيد.










