فيضانات وجفاف في آن واحد.. كيف تعمق النينيو واللانينيا اضطراب المناخ؟

فيضانات وجفاف في آن واحد.. كيف تعمق النينيو واللانينيا اضطراب المناخ؟
فيضانات

كشفت دراسة علمية حديثة عن الدور المتزايد الذي تلعبه ظاهرتا النينيو واللانينيا في تعميق أزمة المناخ العالمية، من خلال التسبب في فيضانات مدمرة وجفاف حاد يحدثان في الوقت نفسه بمناطق مختلفة من العالم، وتسلط هذه النتائج الضوء على تصاعد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، وتحولها من أحداث متفرقة إلى أنماط متكررة ذات تأثيرات عابرة للحدود تمس حياة الملايين وتهدد الأمن المائي والغذائي العالمي.

وأوضح موقع ساينس ديلي، نقلاً عن الدراسة التي اعتمدت على مراقبة موارد المياه من الفضاء، أن التغيرات المرتبطة بظاهرتي النينيو واللانينيا باتت مرتبطة بحدوث فيضانات وجفاف متزامن في مناطق متباعدة جغرافيا، وأكدت الدراسة أن زيادة شدة هاتين الظاهرتين تسهم بشكل مباشر في تفاقم حدة الظواهر المناخية المتطرفة، ما يعكس صورة أوضح عن اختلال التوازن المناخي العالمي في السنوات الأخيرة بحسب ما ذكرته شبكة دويتش فيله الألمانية السبت.

نمط عالمي للجفاف والفيضانات

أظهرت نتائج الدراسة أن موجات الجفاف الشديد أصبحت أكثر شيوعاً من فترات الرطوبة خلال العقد الماضي، في مؤشر مقلق على أن أزمات المياه لم تعد استثناءات مؤقتة أو محصورة في نطاقات جغرافية محدودة، وبدلاً من ذلك، بات العالم يشهد في الوقت نفسه ظروفاً مناخية متناقضة، حيث تعاني مناطق من جفاف قاسٍ يهدد الزراعة ومصادر الشرب، في حين تواجه مناطق أخرى فيضانات مفاجئة تدمر البنية التحتية وتشرد السكان.

وسجل الباحثون أن قارات مختلفة شهدت في الفترات نفسها حالات رطوبة غير معتادة أو جفافاً غير مسبوق، وهو ما يعكس الترابط المعقد بين أنظمة المناخ العالمية، هذا التزامن في الأزمات يعقد من جهود الاستجابة، إذ لم تعد الدول قادرة على التعويل على استقرار المناخ في مناطق أخرى لتعويض النقص أو الخلل في مواردها.

المياه مؤشر مناخي شامل

اعتمدت الدراسة على مفهوم إجمالي مخزون المياه بوصفه مؤشراً مناخياً رئيسياً، وهو مفهوم يشمل جميع أشكال المياه الموجودة في أي منطقة، ومنها الأنهار والبحيرات والثلوج والجليد ورطوبة التربة والمياه الجوفية، ومن خلال هذه النظرة الشاملة، تمكن الباحثون من تتبع حركة المياه بدقة عليا، ورصد التغيرات طويلة الأمد التي لا تظهر عند التركيز على عنصر واحد فقط مثل الأمطار.

وتتيح هذه المقاربة فهماً أعمق لتأثير التغيرات المناخية في دورة المياه العالمية، إذ تكشف كيف يمكن لخلل صغير في أنماط المناخ أن يؤدي إلى نتائج كبيرة على مستوى توافر المياه واستدامتها، وهو ما ينعكس مباشرة على الزراعة والطاقة والصحة العامة.

تداعيات عابرة للحدود

قالت الباحثة المشاركة في الدراسة بريدجيت سكانلون، الأستاذة في مكتب الجيولوجيا الاقتصادية بكلية جاكسون لعلوم الأرض في جامعة تكساس، إن النظر إلى الصورة العالمية يساعد على تحديد المناطق التي تشهد ظروفاً رطبة وجافة في الوقت نفسه، وأوضحت أن هذا التزامن له انعكاسات مباشرة على توافر المياه وإنتاج الغذاء وتجارته، وهي قضايا لم تعد شأناً محلياً أو إقليمياً، بل أصبحت تحديات عالمية تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً.

وأضافت أن اضطراب توافر المياه في مناطق إنتاج الغذاء الرئيسية يمكن أن يؤثر في سلاسل الإمداد العالمية، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي، خاصة في الدول الأكثر هشاشة.

النينيو واللانينيا والجفاف الشديد

في إطار تحليل الظواهر المتطرفة، عرف العلماء حالات الجفاف الشديد بأنها تلك التي تنخفض فيها كميات المياه إلى ما دون النسبة المئوية 10 من إجمالي مخزون المياه في منطقة معينة، وفي المقابل، تصنف حالات فائض المياه عندما تتجاوز النسبة المئوية 90. وأظهرت النتائج أن النشاط غير الطبيعي لظاهرة النينيو التذبذب الجنوبي يمكن أن يدفع مناطق بعيدة عن بعضها جغرافيا إلى الدخول في ظروف جافة أو رطبة في الوقت نفسه.

ووفقاً لما أورده موقع PHYS.ORG، فإن حالات الجفاف الشديد ترتبط بظاهرة النينيو في بعض مناطق العالم، في حين ترتبط بظاهرة اللانينيا في مناطق أخرى، وعلى الجانب المقابل، يظهر نمط معاكس في حالات فائض المياه، ما يؤكد أن تأثير هاتين الظاهرتين لا يسير في اتجاه واحد، بل يتغير تبعاً للموقع الجغرافي وطبيعة الأنظمة المناخية المحلية.

تصاعد الظواهر المتطرفة

تشير الدراسة إلى أن ما يميز المرحلة الحالية ليس مجرد تكرار ظاهرتي النينيو واللانينيا، بل ازدياد شدتهما وتأثيراتهما المتداخلة، وهذا التصاعد يجعل المجتمعات أقل قدرة على التكيف، إذ تتقلص الفترات الفاصلة بين الأزمات، ولا تترك وقتاً كافياً لإعادة بناء الموارد أو البنية التحتية.

وتحذر النتائج من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تفاقم النزاعات على المياه، وزيادة الهجرة القسرية من المناطق المتضررة، وارتفاع الخسائر الاقتصادية، خاصة في الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة والموارد الطبيعية.

أبعاد إنسانية للأزمة المناخية

وراء الأرقام والمؤشرات العلمية، تحمل هذه الظواهر أبعاداً إنسانية عميقة، فالجفاف يعني فقدان سبل العيش لملايين المزارعين، ونقصاً في مياه الشرب، وتهديداً للصحة العامة، وفي المقابل، تؤدي الفيضانات إلى تدمير المنازل والمدارس والمستشفيات، وتشريد الأسر، وزيادة مخاطر الأمراض. ومع تزامن هذه الأزمات في مناطق مختلفة، تتزايد الضغوط على منظومات الإغاثة الدولية التي تجد نفسها أمام أزمات متعددة في الوقت ذاته.

تعد ظاهرتا النينيو واللانينيا جزءاً من نظام مناخي يعرف باسم التذبذب الجنوبي، ويؤثر بشكل مباشر في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ وأنماط الطقس حول العالم، وتتميز ظاهرة النينيو بارتفاع غير معتاد في درجات حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى تغيرات واسعة في أنماط الأمطار والرياح. أما ظاهرة اللانينيا فتمثل الحالة المعاكسة، حيث تنخفض درجات حرارة المياه السطحية، وتنتج عنها تأثيرات مناخية مختلفة ولكنها لا تقل حدة، ومع تسارع تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، تشير دراسات علمية متزايدة إلى أن تأثير هاتين الظاهرتين أصبح أكثر تطرفاً واتساعاً، ما يجعل فهمهما والتعامل مع تداعياتهما ضرورة ملحة لمواجهة التحديات المناخية في القرن 21.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية