تحذير أممي: الضفة الغربية تدخل مرحلة إنسانية غير مسبوقة منذ 1967
تحذير أممي: الضفة الغربية تدخل مرحلة إنسانية غير مسبوقة منذ 1967
تعيش الضفة الغربية المحتلة واحدة من أخطر مراحلها الإنسانية منذ عقود، في ظل تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل يستهدف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ويقود إلى موجات نزوح قسري واسعة النطاق، وسط تآكل سبل العيش وغياب البدائل الأساسية للحياة الكريمة.
هذه الصورة القاتمة رسمها المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين فيليب لازاريني، في تدوينة نشرها عبر منصة إكس، ونقلتها وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، محذراً من أن ما يجري اليوم يمثل أسوأ أزمة إنسانية تشهدها الضفة منذ عام 1967.
وقال لازاريني إن مرور عام على بدء العملية العسكرية الإسرائيلية المسماة الجدار الحديدي لم يُنهِ معاناة السكان، بل عمّقها، حيث لا يزال عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين محرومين من منازلهم وأبسط حقوقهم الإنسانية.
نزوح قسري واسع النطاق
يشير لازاريني إلى أن نحو 33000 شخص ما زالوا نازحين قسراً من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة الغربية، بعد أن أجبروا على مغادرتها تحت وطأة العمليات العسكرية والهدم المنهجي، لافتاً أن هذا النزوح لا يمثل مجرد انتقال مؤقت، بل تحول جذري في حياة آلاف العائلات التي فقدت منازلها وشبكاتها الاجتماعية ومصادر دخلها.
ويؤكد المفوض العام أن النزوح القسري لا يقتصر أثره على فقدان المأوى، بل يدفع السكان إلى دوائر أعمق من الفقر والهشاشة، ويضعهم أمام مستقبل غامض في ظل غياب أي خطط واضحة لإعادة الإعمار أو العودة الآمنة.
هدم المخيمات وتقويض فرص التعافي
بالتوازي مع النزوح، تواصل القوات الإسرائيلية عمليات هدم واسعة داخل مخيمات اللاجئين، ما يؤدي إلى تدمير مساحات كبيرة من البنية السكنية والخدمية، ووفق لازاريني، فإن هذا الهدم المنهجي يقلص بشكل كبير فرص تعافي هذه المجتمعات، ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية شبه مستحيلة في المدى المنظور.
الهدم لا يطول المنازل فقط، بل يشمل الطرق والبنية التحتية الأساسية، ما يحول المخيمات إلى مساحات غير قابلة للسكن، ويعمق الشعور بعدم الاستقرار الدائم لدى السكان، خصوصاً الأطفال وكبار السن.
الأونروا في مواجهة الاحتياجات المتصاعدة
في ظل هذا الواقع، تعمل فرق الأونروا على الأرض لتقديم المساعدة الطارئة للاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا حديثاً، وتشمل هذه الجهود توفير بعض أشكال الدعم الإنساني، ومحاولة ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، رغم الإمكانيات المحدودة والضغوط المتزايدة.
غير أن لازاريني يشير بوضوح إلى أن اللاجئين الفلسطينيين يفتقرون اليوم إلى بدائل مجدية للحصول على الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية، فالنزوح المفاجئ، وتدمير المرافق، والقيود المفروضة على الحركة، كلها عوامل تجعل الوصول إلى هذه الخدمات أمراً بالغ الصعوبة، وتضع عبئاً إضافياً على الوكالة التي تعاني أصلاً من أزمات تمويل مزمنة.
فقر متزايد وغياب الأفق
النزوح القسري والهدم المستمر يدفعان آلاف العائلات إلى حافة الفقر المدقع، فالكثير من اللاجئين فقدوا مصادر دخلهم المحدودة، سواء كانت أعمالاً يومية أو أنشطة صغيرة داخل المخيمات، ومع تراجع القدرة على العمل، تتفاقم الاحتياجات الأساسية، من الغذاء إلى الدواء والتعليم.
ويحذر عاملون في المجال الإنساني من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل دولي جاد قد يؤدي إلى انهيار اجتماعي أوسع، ويخلق جيلاً يعاني من آثار نفسية وتعليمية طويلة الأمد، خصوصاً في ظل حرمان الأطفال من بيئة مستقرة وآمنة.
دعوة إلى دعم دولي مستدام
أكد لازاريني أن الأونروا تواصل عملها رغم التحديات الجسيمة، لكنه شدد على أن استمرار هذا العمل مرهون بتوفر دعم سياسي ومالي مستمر من الدول الأعضاء، فحجم الاحتياجات يفوق بكثير الموارد المتاحة حالياً، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الوكالة نتيجة اتساع رقعة الأزمات في الأراضي الفلسطينية.
ويأتي هذا النداء في سياق تحذيرات متكررة أطلقتها الأونروا خلال الأشهر الماضية من أن أي تراجع في تمويلها أو دعمها السياسي سيؤدي مباشرة إلى حرمان مئات الآلاف من اللاجئين من خدمات أساسية لا غنى عنها.
تداعيات إنسانية تتجاوز الأرقام
وراء الأرقام والإحصاءات، تكمن قصص إنسانية قاسية لعائلات فقدت كل ما تملك، واضطرت للعيش في ظروف مؤقتة وغير لائقة، دون يقين حول المستقبل، فالنزوح القسري لا يعني فقط تغيير مكان الإقامة، بل يعني فقدان الإحساس بالأمان والانتماء، وتآكل الروابط المجتمعية التي شكلت على مدى عقود شبكة دعم حيوية للاجئين الفلسطينيين.
ويشير خبراء في الشأن الإنساني إلى أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية، وارتفاع معدلات العنف الأسري، وتراجع التحصيل التعليمي، ما يترك آثاراً بعيدة المدى على استقرار المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية.
تأسست وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا عام 1949 لتقديم الدعم الإنساني والخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وسوريا والأردن، وتعد الوكالة المزود الرئيسي لخدمات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة الاجتماعية لملايين اللاجئين.
منذ عام 1967 شهدت الضفة الغربية موجات متكررة من العمليات العسكرية الإسرائيلية، كان لمخيمات اللاجئين نصيب وافر من آثارها، سواء عبر الاقتحامات أو الهدم أو القيود المفروضة على الحركة، ومع تصاعد العمليات العسكرية خلال العام الأخير، دخلت الأوضاع الإنسانية مرحلة غير مسبوقة من التدهور، بحسب الأمم المتحدة، ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار النزوح القسري وهدم المخيمات إلى تغيير دائم في الواقع الديمغرافي والإنساني للضفة الغربية، ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل فاعل لوقف التدهور وحماية المدنيين وضمان حقوق اللاجئين الفلسطينيين.










