بين اهتمام دولي وطموحات سياسية.. هل يشكّل "مجلس السلام" مساراً تكميلياً لدور الأمم المتحدة؟
بين اهتمام دولي وطموحات سياسية.. هل يشكّل "مجلس السلام" مساراً تكميلياً لدور الأمم المتحدة؟
في عالمٍ تتزايد فيه النزاعات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الدولية على ملاحقتها واحتوائها ، لم يعد الحديث عن السلام ترفا دبلوماسيا، بل ضرورة وجودية تتعلق بمصير شعوب أنهكتها الحروب، وبمنظومة دولية باتت موضع مساءلة مستمرة.
وسط هذا المشهد المضطرب المفعم بالمتغيرات المتسارعة، يبرز اسم "مجلس السلام" كفكرة جديدة تحاول شق طريقها بين الاهتمام الدولي المتزايد والطموحات السياسية المتباينة، مثيرة تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام العالمي، ودور الأمم المتحدة تحديدا.
ومنذ تأسيسها، عبّرت الأمم المتحدة عن إرادة دولية جماعية بأن تكون مظلة حماية، وصوتا أخلاقيا، وآلية دولية لمنع الانزلاق نحو الفوضى، غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن فجوة متسعة بين هذا الوعد والواقع، حيث تطول النزاعات وتتعثر القرارات، ويتحول حق النقض (الفيتو) من أداة توازن إلى قيد يعطل الاستجابة الجماعية، وفي هذا الفراغ النسبي، تنمو المبادرات البديلة ليس بدافع الإحلال والتبديل، بل بدافع الإنقاذ أحيانا.
يُقدم "مجلس السلام" بوصفه منصة مرنة، تسعى إلى تجاوز الجمود السياسي، وتوفير فضاء أسرع للتشاور والوساطة، بعيدا عن التعقيدات الإجرائية الثقيلة، إذ يرى أنصاره أنه جاء كاستجابة طبيعية لعالم تغيرت خرائط القوة فيه، ولم تعد مراكز القرار محصورة في عواصم بعينها، لا سيما في عالم تتقاطع فيه المصالح الإقليمية، وتتعاظم فيه أدوار الفاعلين غير التقليديين، من منظمات إقليمية إلى قوى صاعدة تبحث عن موطئ قدم في هندسة السلام العالمي.
ورغم التوقعات المتفائلة والطرح الإيجابي، تظل الأسئلة حاضرة فهل يمثل "مجلس السلام" إضافة نوعية تُثري العمل الدولي، أم أنه انعكاس لحالة فقدان الثقة في المؤسسات الدولية والأممية القائمة؟ وهل يمكن لمسار جديد، مهما بدا واعدا، أن يعالج أزمات متجذرة دون أن يتحول هو نفسه إلى ساحة أخرى لتجاذبات النفوذ؟
وربما تكمن الإجابات في الكيف لا في الاسم، وفي مدى استقلالية القرار، وشفافية الآليات، وشمولية التمثيل، والأهم في قدرة أي إطار دولي -قديم أو حديث- على الإنصات لضحايا النزاعات، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات من فوق موائد السياسة، لأن السلام، في جوهره، ليس بيانا ختاميا ولا صورة جماعية، بل عملية طويلة تتطلب عدالة ومساءلة وإرادة تتجاوز الحسابات الضيقة.
وبين الاهتمام الدولي المتصاعد والطموحات السياسية المتشابكة، يقف "مجلس السلام" أمام اختبار حقيقي في أن يكون خطوة تكاملية تُسهم في سد ثغرات النظام الدولي، إذ يبقى الرهان الحقيقي على قدرة العالم على إعادة تعريف السلام لا كغاية خطابية، بل كالتزام أخلاقي لا يقبل المساومة أو التنازلات.
خلق حالة من التوازن
في السياق، أشار أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور سعيد صادق، إلى أن "مجلس السلام" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حظى بمشاركة سبع دول عربية، وهي أربع دول من مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى كل من مصر والأردن والمغرب.
وأوضح سعيد صادق، في حديثه لـ"جسور بوست"، أن هذا المجلس يكتسب أهمية بالغة كونه الجهة المنوط بها إدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، استنادًا إلى مخرجات مؤتمر وقمة شرم الشيخ، وتتمثل أهداف المجلس الرئيسية في الإشراف على وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وتنسيق المساعدات الإنسانية.
وشدد صادق على الأهمية القصوى للمشاركة العربية في هذا المجلس لعدة اعتبارات أولها خلق حالة من التوازن أمام المشاركة الإسرائيلية، لضمان عدم انفراد إسرائيل بفرض آرائها، وهيمنتها على قرارات المجلس.
ولفت إلى أن هذا التوازن ضروري خاصة أن بعض الدول المشاركة، مثل المملكة العربية السعودية، تمثل ثقلا تسعى إسرائيل للوصول إلى حل معها، وبالتالي ستركز هذه الدول على وقف الانتهاكات الإسرائيلية وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، مشددا على ضرورة تعزيز الدور العربي في ملف إعادة الإعمار، لقطع الطريق على الجانب الإسرائيلي ومنع المماطلة أو إضاعة الوقت في هذا الملف، أو محاولة فرض شروط أحادية وفق أهوائه.
ولفت صادق إلى البعد الرمزي والديني والإنساني لهذه المشاركة، فالمملكة المغربية يرأس عاهلها الملك محمد السادس "لجنة القدس"، والسعودية تتمتع بنفوذ إسلامي عالمي، ما يجعل مشاركتهما أمرا جوهريا، فضلا عن الدورين المصري والإماراتي الهامين للغاية في ضوء العلاقات المتميزة مع الولايات المتحدة.
واعتبر صادق أن المجلس يمثل فرصة هامة للغاية، لا سيما في ظل غياب أي مؤتمرات أو جهات دولية تركز حالياً على القضية الفلسطينية، ما يجعله المسار الوحيد المتاح في الوقت الراهن.
وشدد صادق على أن نجاح المجلس سيعتمد على ضغط الدول العربية لضمان التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار والبدء في إعادة الإعمار دون تأخير، مؤكدا أنه يمثل فرصة حقيقية لتحقيق التوازن مع الوجود الإسرائيلي، خاصة وأن هذه الدول العربية المشاركة تمتلك علاقات قوية اقتصاديا وسياسيا مع الرئيس ترامب، مما يجعل وجودها في المجلس أمراً في غاية الأهمية.
كسر الجمود الدولي
فيما يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، الدكتور أيمن الرقب، أن الحديث عن "مجلس السلام" لم يعد ترفا سياسيا، بل بات من زاوية عربية مسارا لا مفر منه في ظل التعقيدات المتشابكة لملف غزة، معتبرا أن أي تحرك عربي يسعى لكسر حالة الجمود الدولي يُعد من حيث المبدأ، خطوة محمودة، غير أن هذا الترحيب المشروط لا يخلو من حذرٍ عميق، يتبدى بوضوح عند تفحص ميثاق تشكيل المجلس الذي يجري الترويج له.
ويوضح الرقب، في حديثه لـ"جسور بوست"، أن قراءة متأنية لبنود الميثاق تكشف مفارقة لافتة، إذ لا يتناول السلام في غزة أو فلسطين بوصفهما جوهر الأزمة، بقدر ما يتحدث عن سلام عالمي بصيغة فضفاضة، وعن دبلوماسية دولية وآليات لحل نزاعات عابرة للقارات، قال: "نحن أمام ميثاق لا يُصاغ على مقاس الجرح الفلسطيني، بل على مقاس نظام دولي جديد يُراد له أن يتشكل، حيث تستدعى غزة تُستدعى الخطاب، لكنها لا تحتل مركزه".
ويذهب الرقب أبعد من ذلك، معتبرا أن الميثاق يعكس رؤية شخص واحد هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كأننا أمام مؤسسة تُبنى بإرادة فردية، لا بإجماع دولي، فالمجلس، بحسب وصفه، يبدو كإطار موازٍ للأمم المتحدة، يسعى إلى تجاوزها لا إلى دعمها، ويتدخل في الصراعات الدولية خارج القنوات التقليدية.
ويضيف: "المثير للريبة أن الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب انسحبت في السابق من عدد من المؤسسات الدولية، ما يوحي بأن هذا المجلس ليس وليد لحظة عابرة، بل جزءاً من تصور بديل يجري إعداده منذ سنوات".
علامات استفهام ثقيلة
وفي سياق المقارنة، يشدد الرقب على أن "مجلس السلام" لا يشبه المجالس أو الأطر التي تشكلت سابقا حول غزة، مثل المجلس الاستشاري الذي قاده نيكولاي ملادينوف، ولا المجلس الإداري الذي يُعتقد أنه غير معني أصلًا بمفهوم السلام، والذي ارتبط باسم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
وتابع الرقب، قائلا: "نحن أمام تعدد في المسميات، وتوظيف مكثف لأحداث غزة، ليس بهدف الحل بقدر ما هو توظيف سياسي لإطلاق كيان جديد، محذرًا من الخلط بين المبادرات الإنسانية والمشاريع ذات الأجندات الأوسع.
ويشير أستاذ العلوم السياسية إلى أن عدد الدول التي أبدت استعدادها للانضمام إلى المجلس يتراوح بين 59 و60 دولة، إلا أن طبيعة العضوية نفسها تطرح علامات استفهام ثقيلة، فبحسب ما هو متداول، هناك عضوية دائمة مشروطة بدفع مليار دولار، وأخرى مؤقتة لمن لا يملك هذا الثمن.
الأخطر، كما يلفت الرقب، أن القرار النهائي في تمرير أي اتفاق أو مقترح تقدمه الدول الأعضاء يبقى مرهونا برئيس المجلس نفسه، ما يفرغ فكرة التشاركية الدولية من مضمونها.
ولا يقف القلق عند حدود البنية الإجرائية، بل يمتد إلى طبيعة القيادة، فالمجلس، وفق تقدير الرقب، لا يرتبط برئاسة الولايات المتحدة كمؤسسة، بل برئاسة شخص هو ترامب، قائلا: "نحن لا نتحدث عن إطار دولي مستدام، بل عن مؤسسة شخصية تُبنى على اسم ونفوذ فرد، وتُدار وفق رؤيته الخاصة"، معتبرا أن استغلال الأحداث الدولية المتلاحقة يهدف إلى تكريس هذا النفوذ، لا إلى إعادة الاعتبار للنظام الدولي القائم.
ويختتم أيمن الرقب حديثه قائلا: "السلام في نهاية المطاف لا تصنعه الأسماء ولا العناوين البراقة، بل الشرعية والاستمرارية والإرادة الدولية الحقيقية التي تسعى لإحلاله في العالم".
كيان بديل أم مكمل
من جانبه، استبعد أستاذ القانون الدولي، الأكاديمي الفلسطيني أمجد شهاب، أن يكون "مجلس السلام" بديلا عن الأمم المتحدة، لا سيما أن الأخيرة تحظى باعتراف القانون الدولي، ومنبثقة عن اتفاق دولي جامع يعكس تمثيل واسع لإرادة المجتمع الدولي.
وفي قراءة أعمق للسياق، يرى شهاب في حديثه لـ"جسور بوست" أن ملف غزة قد يصبح نقطة التقاء لهذه المساعي، خاصة مع الرهان العربي على إنجاح أي مسار يخفف من وطأة الكارثة الإنسانية المتفاقمة في القطاع، غير أن هذا الرهان، كما يرى، يجب ألّا يُبنى على طرح البديل، بل على إدراك دقيق لطبيعة الأدوات المتاحة وحدودها.
ولا ينفي شهاب أهمية الحراك العربي، معتبرا أن الالتفاف العربي حول ملف غزة يُعد أمرا محمودا، ويمكن البناء عليه سياسيًا وإنسانيًا، شرط ألا يتحول إلى بديل عن الشرعية الدولية، بل إلى رافعة تضغط داخلها.
ويختم بالتحذير من أن أي فراغ عربي أو دولي في هذا الملف لن يبقى طويلًا، قائلا: "في غياب الفعل المنظم، ستملأ إسرائيل الفراغ، وتفرض وقائع جديدة على الأرض، في معادلة باتت تتكرر كلما غاب القرار الجماعي وتراجعت المرجعيات".
هندسة المشهد في غزة
وبقوله إن "مشاركة القوى العربية والإسلامية في مجلس السلام مهمة من عدة زوايا"، اعتبر مدير تحرير مجلة الديمقراطية بمؤسسة الأهرام وخبير الشؤون الإقليمية، كرم سعيد، أن أبرزها كبح جماح أي دور لإسرائيل في إدارة المشهد في غزة وفقا لرؤيتها المنفردة، إلى جانب ضمان تحييد الانحياز الأمريكي تجاه إسرائيل.
وتابع سعيد في حديثه لـ"جسور بوست": "وجود هذه القوى ربما يسمح بفتح آفاق أو نقاط استراتيجية أخرى للتواصل مع القوى السياسية الموجودة في قطاع غزة، ومحاولة لملمة الأزمة، ومحاولة الوصول إلى صيغة تضمن تحقيق الاستقرار بشكل حقيقي في قطاع غزة ومن ثم إعادة الإعمار".
ولا يستبعد سعيد أن يكون مجلس السلام الدولي الذي اقترحته إدارة ترامب لهندسة المشهد في غزة، يهدف إلى محاولة تأمين الوجود الاستراتيجي لإسرائيل في قطاع غزة، مقابل إبعاد عناصر المقاومة وتهميشها بشكل أو بآخر خلال المرحلة المقبلة.











