عودة الجدل.. اشتعال ملف الهجرة بالولايات المتحدة على وقع الاحتجاجات وقرارات الإقصاء
عودة الجدل.. اشتعال ملف الهجرة بالولايات المتحدة على وقع الاحتجاجات وقرارات الإقصاء
لم يكن ملف الهجرة في الولايات المتحدة يوما مجرد نقاش إداري حول أرقامٍ أو تأشيرات، بل ظل على الدوام مرآة تعكس الصراع العميق حول "الحلم الأمريكي" العامر بالفرص المفتوحة، والتحديات القاسية في الوقت ذاته، ومع كل موجة احتجاج، وكل قرار إقصاء جديد، يعود هذا الملف ليشتعل مجددا، كجمرٍ لم يخمد منذ عقود.
وفي الشوارع الأمريكية، حيث تختلط لغات المهاجرين بهتافات الغضب، تتصاعد الاحتجاجات رفضًا لسياسات تُوصف بأنها الأكثر تشددا منذ سنوات، حيث تُرفع لافتات تطالب بالعدالة، وأصوات تحذر من تحويل الحلم الأمريكي إلى امتيازٍ انتقائي، تقابلها قرارات حكومية تعيد رسم الحدود، ليس على الخرائط فقط، بل في الوعي العام أيضًا، وهكذا يتحول ملف الهجرة من شأن قانوني إلى ساحة مواجهة سياسية واجتماعية مفتوحة.
وتأتي هذه التطورات في لحظة سياسية حساسة، حيث تستعد البلاد لاستحقاقات انتخابية حاسمة، ويصبح المهاجرون، مرة أخرى، مادة للخطاب الشعبوي وسلاحا في معارك الأصوات، فبين من يرى في تشديد السياسات ضرورة لحماية الأمن والوظائف، ومن يعتبره إقصاء ممنهجا يضرب جوهر القيم الأمريكية، تتسع الهوة، ويتعمق الانقسام داخل المجتمع.
قرارات الإقصاء الأخيرة، التي طالت فئات واسعة من طالبي اللجوء والمهاجرين غير النظاميين، لم تمر بهدوء، فإلى جانب الطعون القانونية التي ملأت المحاكم، خرجت منظمات حقوقية لتحذر من تبعات إنسانية قاسية، مشيرة إلى أن هذه السياسات لا توقف الهجرة بقدر ما تدفعها إلى مسارات أكثر خطورة، حيث يصبح البحر والصحراء حدودًا بديلة، أكثر قسوة من أي قانون.
وفي المقابل، تدافع الإدارة الأمريكية عن نهجها بوصفه محاولة لـ"استعادة السيطرة" على الحدود، معتبرة أن النظام الحالي يعاني من اختلالات مزمنة، غير أن هذا الخطاب، مهما بدا حازما، يصطدم بحقائق الاقتصاد الأمريكي نفسه، الذي يعتمد في قطاعات واسعة على سواعد المهاجرين، من الحقول إلى المصانع، ومن المستشفيات إلى شركات التكنولوجيا، وهي مفارقة تجعل من الإقصاء قرارا سياسيا بامتياز، لا حلًا جذريا لمشكلة معقدة ومزمنة.
ملاذات آمنة للمهاجرين
اللافت أن الجدل لا يدور فقط بين الحكومة والمعارضة، بل داخل المجتمع الأمريكي ذاته، حيث تُسوق مدن لنفسها باعتبارها "ملاذات آمنة للمهاجرين"، في تحدٍ مباشر للسياسات الفيدرالية، وأخرى تطالب بمزيد من التشدد، خوفا من التغيرات الديموغرافية والضغط على الخدمات، وبين هذا وذاك، يعيش ملايين المهاجرين حالة من القلق الدائم، حيث يصبح المستقبل معلقا على قرار إداري أو حكم قضائي.
وفي جوهره، يعكس ملف الهجرة أزمة أعمق تتعلق بهوية الدولة ودورها في عالم يتغير بسرعة، فالهجرة لم تعد مسألة أمريكية خالصة، بل جزءًا من حركة بشرية عالمية، تغذيها الحروب، وتفاقمها الأزمات الاقتصادية، وتدفعها اختلالات العدالة الدولية، ومع ذلك، تُختزل هذه الظاهرة المركبة في الداخل الأمريكي إلى شعارات انتخابية وقرارات عاجلة.
في ظل هذا المشهد المحتدم، يبقى السؤال مفتوحا، هل تتجه الولايات المتحدة نحو مقاربة أكثر توازنا، تعترف بالبعد الإنساني للهجرة دون التفريط في سيادة القانون؟ أم أن ملف الهجرة سيظل وقودا للصراع السياسي، يُستدعى كلما اشتعلت الحملات الانتخابية واحتاج الخطاب إلى خصم واضح؟.
لكن ما هو مؤكد أن الجدل لن يخفت قريبا، فطالما استمرت الاحتجاجات، وتوالت قرارات الإقصاء، سيبقى ملف الهجرة في أمريكا عنوانا على انقسامٍ عميق، وصراع يتجاوز الحدود ليطال القيم نفسها التي قامت عليها الدولة الأمريكية.
حوادث غير مسبوقة
حول هذا المشهد المُرتبك، يرى عضو الحزب الديمقراطي والمحلل السياسي الدكتور مهدي عفيفي، أن ملف الهجرة بات اليوم في صدارة المشهد الأمريكي، مشيرا إلى أنه لا يكاد يخلو من نقاشٍ إعلامي أو حراك شعبي أو تفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنصب الأضواء على ما يصفه بـ"الانتهاكات المتصاعدة" التي تمارسها مؤسسة الهجرة والجمارك الأمريكية المعروفة بـ"ICE"، وهي مؤسسة، كما يؤكد، لم تُنشأ في الأصل بوصفها جهازا أمنيا بالمعنى التقليدي.
ويوضح عفيفي، في حديثه لـ"جسور بوست"، أن الدور المفترض لهذه المؤسسة يقتصر على توقيف المشتبه بهم بعد صدور أحكام قضائية بحقهم أو ثبوت مخالفات قانونية، ثم إحالتهم إلى القضاء المختص للفصل في أوضاعهم، غير أن الواقع الحالي، بحسب وصفه، يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة عمل المؤسسة، التي باتت تعمل كقوة منفصلة عن الأطر الأمنية المعتادة، وترتبط مباشرة بوزير الأمن الداخلي والرئيس الأمريكي نفسه، وهذا النمط من العمل لم تشهده الولايات المتحدة من قبل بهذا الشكل، ويعد "خروجًا غير مسبوق عن التقاليد المؤسسية للولايات المتحدة الأمريكية"، بحسب تعبيره.
ويشير المحلل السياسي الأمريكي إلى أن آليات توظيف عناصر هذه المؤسسة، وطبيعة تدريبهم، لا تخضع للمعايير المعمول بها في المنظومة الشرطية، ولا تراعي الاشتراطات الخاصة بالتعامل مع الجماهير، أو إدارة الاحتجاجات أو احتواء الاضطرابات المدنية، ولذلك نرى حوادث قتل لمحتجين وإصابات خطيرة، بل ووفيات داخل مراكز احتجاز، في ظروف لم تعرفها الولايات المتحدة في تاريخها الحديث.
الدوافع السياسية للقرارات
وفي قراءته للدوافع السياسية الكامنة وراء هذا التصعيد، يرى الدكتور مهدي عفيفي أن الرئيس دونالد ترامب يسعى إلى تقديم نفسه أمام قاعدته الانتخابية بوصفه منفذًا صارما لتعهداته السابقة، وعلى رأسها ملف "التخلص من المهاجرين"، ويتم وفق هذا الخطاب، تحميل المهاجرين مسؤولية استنزاف المنظومة الصحية، والتحايل على النظام القانوني، واستغلال النظام الضريبي، وهي اتهامات يصفها عفيفي بأنها "تناقض الواقع والوقائع الموثقة".
ويضيف أن الخطاب الرئاسي يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يربط بين الهجرة وارتفاع معدلات الجريمة، في حين تؤكد الإحصاءات والدراسات أن المهاجرين في الولايات المتحدة أقل ارتكابا للجرائم مقارنة بغيرهم من المواطنين، لا سيما في أوساط البيض الأمريكيين المتشددين، مؤكدا أن عددا من أخطر الجرائم والهجمات التي شهدتها البلاد، مثل تفجير أوكلاهوما وغيرها، ارتكبها أمريكيون بيض تحركهم نزعات عنصرية متطرفة، لا مهاجرون.
وعلى مستوى الواقع الراهن، يشير عفيفي إلى أن هذا التصعيد لم يمر دون رد فعل، إذ تدخلت منظمات حقوقية بشكل واسع، كما لعب القضاء الأمريكي دورا محوريا في كبح بعض الممارسات، عبر النظر في دعاوى قضائية وتعويضات رفعتها عائلات المتضررين، لافتا إلى أن من بين الذين تعرضوا للاعتقال أشخاصا يحملون الجنسية الأمريكية نفسها، وهو ما فجر موجة غضب إضافية، وأفضى إلى مطالبات بتعويضات مالية كبيرة.
ويحذر عفيفي من أن هذا الملف بات من أكثر القضايا قابلية للتأثير في الانتخابات النصفية المقبلة عام 2026، وسط مخاوف داخل أوساط الحزب الجمهوري من أن تنعكس هذه السياسات سلبا على نتائجه، وفي هذا السياق، يلفت إلى الدور الذي تلعبه بعض المنصات الإعلامية المحافظة، مثل "فوكس نيوز"، في محاولة تبرير هذه الإجراءات، وتخفيف وقعها على الرأي العام، في معركة إعلامية لا تقل سخونة عن الشارع نفسه.
ورقة سياسية فاعلة
على الجانب المقابل، يعتقد عضو الحزب الجمهوري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة واشنطن، الدكتور نبيل ميخائيل، أن ملف الهجرة في الولايات المتحدة لم يبلغ ذروته بعد، بل سيظل حاضرا بقوة في المشهد السياسي خلال السنوات المقبلة.
وفي حديثه لـ"جسور بوست"، يرى ميخائيل أن الرئيس دونالد ترامب ماضٍ في سياساته دون تراجع، انطلاقا من قناعته بأن الإدارات الديمقراطية المتعاقبة، من هيلاري وبيل كلينتون، مرورا بباراك أوباما، وصولا إلى جو بايدن، كانت السبب في فتح الأبواب أمام مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، وهو ما يعتبره ترامب أصلًا لمشكلات اقتصادية وأمنية متراكمة في الولايات المتحدة.
ويتوقع ميخائيل أن يبقى ملف الهجرة ورقة سياسية فاعلة حتى ما بعد نهاية عهد ترامب، مرجحًا أن يتحول إلى عنوان رئيسي في انتخابات 2028، رغم استبعاد ترشح ترامب نفسه بسبب تقدمه في السن، غير أن غياب ترامب، بحسب ميخائيل، لن يعني غياب القضية، إذ سيحملها جمهوريون آخرون إلى الواجهة، سواء كان السيناتور "جيه دي فانس" أو غيره من الوجوه الصاعدة داخل الحزب، لتظل الهجرة جزءا ثابتا من معترك السياسة الأمريكية.
وفي ما يتعلق بالقوات التابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، يرى ميخائيل أن الجدل الدائر حولها مرشح للاستمرار، خاصة في ظل تصاعد الخلافات مع بعض الحكومات المحلية، كما هو الحال في مدن مثل مينيابوليس، لكنه يستبعد أي تقليص جوهري لدور هذه القوات، معتبرًا أن سياسة الطرد والترحيل ستبقى خيارا معتمدا، حتى في مواجهة الاحتجاجات المتوقعة وتصاعد التوترات في ولايات مثل مينيسوتا.
استقطاب القاعدة الشعبية
ويضيف أن ملف الهجرة سيُستثمر سياسيا بشكل مكثف في الانتخابات التشريعية المقبلة، متوقعا أن يزداد حضوره مع اقتراب انتخابات الكونغرس في نوفمبر 2026، حيث تسعى الأحزاب، خصوصا الجمهوريين، إلى استقطاب القاعدة الشعبية عبر خطاب صارم تجاه الهجرة.
ويرى ميخائيل أن ترامب نجح في إحداث تحول عميق في طريقة تعاطي أمريكا مع ملف الهجرة، إلى حد أن بعض قراراته باتت أشبه بـ"الإرث السياسي" الذي يصعب التراجع عنه، مستشهدا بالقيود المفروضة على منح الجنسية الأمريكية للأطفال المولودين لأبوين غير أمريكيين، معتبرا أن أي رئيس قادم، حتى من خارج المعسكر الترامبي، لن يغامر بإلغاء هذه الإجراءات.
وفي المقابل، لا يستبعد ميخائيل إدخال تعديلات محدودة مستقبلًا، مثل تخفيف شروط برامج "الجولدن فيزا" أو تخفيض المبالغ المطلوبة لدخول المستثمرين إلى الولايات المتحدة، لكنه يؤكد أن مثل هذه الخطوات لن تتم في عهد ترامب، بل ربما في مرحلة لاحقة، عندما تتغير الحسابات السياسية.
ويختم ميخائيل بالإشارة إلى أن عددا كبيرا من أعضاء الكونغرس مرشحون لتبني نهج ترامب في هذا الملف، ليس فقط بدافع القناعة، بل أيضا لكسب الشعبية، لا سيما أن ملف الهجرة اليوم يعد قضية جماهيرية بامتياز، موضحًا أن شريحة واسعة من الأمريكيين لا ترغب في مزيد من الضيوف أو الأجانب، وهو ما يجعل التشدد في هذا الملف رهانا انتخابيا مغريا، مهما كانت كلفته الإنسانية أو القانونية.










