مجتمع تحت الصدمة.. الحرب تعمّق الاكتئاب وتزعزع الأمن داخل إسرائيل
مجتمع تحت الصدمة.. الحرب تعمّق الاكتئاب وتزعزع الأمن داخل إسرائيل
لم تعد آثار الحرب مقتصرة على الجبهات العسكرية، بل امتدت بعمق إلى داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تكشف بيانات رسمية عن تحولات نفسية واجتماعية حادة طالت مختلف الفئات؛ مشاعر الخوف والتوتر باتت جزءا من الحياة اليومية، فيما تتزايد حالات الاكتئاب وتتراجع الثقة بالمستقبل، في صورة تعكس مجتمعا يعيش تحت ضغط مستمر منذ اندلاع الحرب.
ووفقا لتقرير “وجه المجتمع” الصادر عن المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء، فإن المجتمع الإسرائيلي يشهد منذ عامين تصاعدا غير مسبوق في المؤشرات السلبية المرتبطة بالصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي، إلى جانب تغيرات ديمغرافية واقتصادية تعكس عمق الأزمة التي خلفتها الحرب بحسب ما أوردته وكالة شهاب اليوم الاثنين.
أسر الاحتياط في دائرة الاستنزاف
أبرز التقرير الضغوط المتزايدة التي تواجهها أسر جنود الاحتياط، حيث أفاد 34.1% من أزواج الجنود بأنهم عانوا من صعوبات مالية بعد انتهاء فترة الخدمة، كما أشار 52% من هؤلاء إلى تدهور الحالة النفسية لأطفالهم، في حين أكدت 35.2% من أسر الجنود التي لديها أطفال أنها دخلت في أزمات مالية مباشرة عقب التحاق رب الأسرة بالخدمة الاحتياطية، ما يعكس كلفة اجتماعية باهظة للحرب داخل البيوت.
سجل التقرير قفزة لافتة في معدلات الاكتئاب بين الإسرائيليين، حيث ارتفعت النسبة من 25.5% في عام 2023 إلى 33.9% في عام 2024، وكانت المناطق القريبة من الحدود الأكثر تضررا، إذ ارتفعت النسبة في المستوطنات الواقعة على بعد 15 كيلومترا من الحدود اللبنانية من 24.8% إلى 36.5%، بينما سجلت مستوطنات غلاف غزة ارتفاعا من 25.3% إلى 29.2%.
تضخم الشعور بالتوتر
لم يقتصر التدهور على الاكتئاب فقط، بل شمل أيضا مستويات التوتر العام، التي ارتفعت من 58.2% إلى 67.9% على مستوى المجتمع، ووصلت النسبة في المستوطنات القريبة من الحدود اللبنانية إلى 75.6%، وفي مستوطنات غلاف غزة إلى 66.3%، ما يعكس حالة استنفار نفسي دائم لدى السكان في المناطق الحدودية.
أظهر التقرير أيضا ارتفاع نسبة من يعتقدون أن حياتهم لن تتحسن أو ستزداد سوءا، حيث ارتفعت من 30.7% في عام 2023 إلى 33.8% في عام 2024، وسجلت المناطق القريبة من الحدود اللبنانية أعلى نسبة تشاؤم بلغت 39.2%، في مؤشر على تآكل الأمل بالمستقبل لدى شرائح واسعة من المجتمع.
تراجع الإحساس بالأمن الشخصي
في موازاة ذلك، تراجع الشعور بالأمان في الحياة اليومية، إذ انخفضت نسبة من يشعرون بالأمان عند السير بمفردهم ليلا في أماكن سكنهم من 73.9% إلى 72.7%.
وكان التراجع أكثر حدة في مستوطنات غلاف غزة، حيث هبطت النسبة من 80.4% إلى 64.9%، كما انخفض الشعور العام بالأمن الشخصي من 82% إلى 80.2%، بينما سجل في مستوطنات حدود غزة هبوطا كبيرا من 84.6% إلى 65.2%.
أشار التقرير إلى تصاعد المخاوف من وقوع عمليات فدائية، خاصة في المناطق الأكثر تماساً مع ساحات المواجهة، وبلغت نسبة الخوف في مستوطنات غلاف غزة 55.1%، بينما وصلت في المناطق القريبة من الحدود اللبنانية إلى 38.1%، ما يعكس حالة قلق دائم تؤثر على نمط حياة السكان وقراراتهم اليومية.
وعلى الصعيد السياسي والمؤسسي، كشف التقرير عن تراجع مستمر في ثقة الإسرائيليين بمؤسسات الدولة، فقد انخفضت الثقة بالنظام القضائي من 43.5% إلى 42.2%، كما تراجعت الثقة بالحكومة من 26.9% إلى 24.6%، وهو أدنى مستوى يسجل منذ عام 2015، وفي المناطق الحدودية كان التراجع أشد، إذ هبطت الثقة بالنظام القانوني إلى 29.3% وبالحكومة إلى 28.3%.
قفزة في أعداد ذوي الإعاقة والمصابين
من أبرز المؤشرات التي عكسها التقرير الارتفاع الكبير في أعداد ذوي الإعاقة، حيث بلغ عددهم خلال عام 2024 نحو 1.32 مليون شخص، أي ما يعادل 13.1% من إجمالي السكان، بزيادة 13.5% مقارنة بعام 2023، وأرجع التقرير هذا الارتفاع إلى زيادة عدد المصابين جراء العمليات العسكرية وارتفاع طلبات إعانات العجز.
وسجل عدد الجنود من ذوي الإعاقة ارتفاعا من 69.7 ألف إلى 72.5 ألف، مع زيادات ملحوظة في الفئات العمرية الشابة، لا سيما بين من يعانون من إعاقات ذهنية ونفسية، ويشير ذلك إلى آثار طويلة الأمد للحرب على جيل كامل من الجنود، تتجاوز الإصابات الجسدية إلى أضرار نفسية عميقة.
تغيرات ديمغرافية وهجرة متزايدة
على الصعيد الديمغرافي، أظهر التقرير انخفاضا في عدد المواليد خلال شهري يونيو ويوليو 2024 مقارنة بالعام السابق، إضافة إلى تراجع عدد الزيجات في الربع الأخير من عام 2023 بنسبة تقارب 21%، وتعكس هذه المؤشرات حالة عدم الاستقرار والقلق التي تدفع الأفراد إلى تأجيل قرارات مصيرية تتعلق بتكوين الأسر.
كما سجل التقرير هجرة نحو 79.9 ألف إسرائيلي من دولة إسرائيل خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى سبتمبر 2024، بزيادة 6.9% عن الفترة التي سبقت الحرب. وفي المقابل، تراجع عدد العائدين بشكل حاد، إذ لم يعد سوى 19.9 ألف شخص، بانخفاض يقارب 20%، ما يشير إلى فقدان الثقة بالاستقرار المستقبلي داخل البلاد.
يأتي هذا التقرير في سياق حرب ممتدة تركت آثارا عميقة على المجتمع الإسرائيلي، ليس فقط من حيث الخسائر البشرية، بل أيضا على مستوى البنية النفسية والاجتماعية، فمنذ اندلاع الحرب، يعيش المجتمع حالة استنزاف مستمرة بفعل القتال المتواصل، واستدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط، وتزايد المخاوف الأمنية، وتكشف البيانات الرسمية أن هذه الضغوط انعكست في ارتفاع معدلات الاكتئاب والتوتر، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وزيادة الهجرة، إلى جانب تصاعد أعداد ذوي الإعاقة. وتعكس هذه المؤشرات تعكس أزمة داخلية عميقة قد تمتد آثارها لسنوات قادمة، مع ما تحمله من تداعيات على التماسك الاجتماعي والاستقرار الديمغرافي والاقتصادي داخل المجتمع الإسرائيلي.










