من التبعية إلى الاستدامة.. قصة صعود الطاقة النظيفة في المغرب

من التبعية إلى الاستدامة.. قصة صعود الطاقة النظيفة في المغرب
استخدام مصادر الطاقة النظيفة

اتجه المغرب خلال السنوات الماضية بخطى متسارعة نحو تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، في مسعى استراتيجي يهدف إلى تقليص اعتماده شبه الكامل على الطاقة الأحفورية المستوردة، وهذا التوجه لم يكن خيارا بيئيا فقط، بل ضرورة اقتصادية فرضتها الضغوط المتزايدة على الميزان التجاري وارتفاع فاتورة الطاقة، في ظل تقلبات الأسواق العالمية وأسعار الوقود.

ووفقا لمعطيات نقلتها وكالة رويترز الأربعاء في هذا السياق، بلغت فاتورة الطاقة في المغرب نحو 114 مليار درهم خلال عام 2024، أي ما يعادل نحو 12.2 مليار دولار، قبل أن تتراجع إلى قرابة 99 مليار درهم في 2025، ورغم هذا الانخفاض النسبي، ظل العبء ثقيلا على الاقتصاد الوطني، ما دفع السلطات إلى تسريع وتيرة التحول نحو الطاقات المتجددة باعتبارها خيارا استراتيجيا طويل الأمد.

قفزة نوعية في القدرة الإنتاجية

شهد عاما 2024 و2025 تقدما لافتا في مسار الطاقة المتجددة بالمغرب، حيث ارتفعت القدرة الإنتاجية الإجمالية إلى نحو 5.6 غيغاواط، ما جعل المملكة من بين الدول الأكثر تقدما في هذا المجال على مستوى القارة الإفريقية، هذا التطور عكس ثمرة استثمارات متراكمة وسياسات عمومية راهنت مبكرا على استغلال المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها البلاد، خاصة الشمس والرياح.

ولم يقتصر هذا التقدم على الأرقام فقط، بل شمل أيضا توسعا في نطاق المشاريع وتنوع مصادر الإنتاج، الأمر الذي عزز مكانة المغرب كنموذج إقليمي في مجال الانتقال الطاقي.

سيادة الطاقة في صلب الرؤية الحكومية

أكدت الحكومة المغربية أن حصة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة الوطني ارتفعت بأكثر من 9 بالمئة، لتتجاوز 46 بالمئة في عام 2025، هذا الرقم يعكس اقتراب البلاد من تحقيق هدف استراتيجي طالما أعلنته، والمتمثل في تعزيز السيادة الطاقية وتقليص الارتهان للخارج.

وفي هذا الإطار، قالت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، خلال عرض قدمته أمام البرلمان في ديسمبر الماضي، إن الحكومة ضاعفت الاستثمارات في الطاقات المتجددة ثلاث مرات سنويا خلال عام 2023، كما رفعت الاستثمارات في الشبكة الكهربائية خمس مرات لتمكينها من استيعاب الإنتاج المتزايد من الطاقة النظيفة.

وأضافت الوزيرة أن هذه الجهود لم تقتصر على القطاع العام، بل شملت أيضا تشجيع القطاع الخاص، الذي شهد بدوره نموا ملحوظا في حجم الاستثمارات.

دور متنامٍ للاستثمار الخاص

سجلت الاستثمارات الخاصة في مجال الطاقات المتجددة قفزة كبيرة، حيث تضاعفت أربع مرات منذ عام 2021 لتصل إلى نحو 29 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 3.1 مليار دولار، ويقارن هذا الرقم باستثمارات بلغت 20.8 مليار درهم فقط خلال العقد السابق بأكمله، ما يعكس تحولا جذريا في ثقة المستثمرين وجاذبية القطاع.

ويرى متابعون أن هذا التطور يعود إلى الإطار القانوني المحفز، وتبسيط المساطر، إضافة إلى وضوح الرؤية الحكومية التي حددت هدفا يتمثل في رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 52 بالمئة من مزيج الطاقة الكهربائية بحلول عام 2030.

بدايات مبكرة ومسار طويل

بدأ المغرب مساره نحو الطاقة النظيفة منذ عام 2009، حين أطلق استراتيجية وطنية طموحة للاستثمار في مصادره الطبيعية، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكان من أبرز تجليات هذه الاستراتيجية إطلاق مجمع نور للطاقة الشمسية في ورزازات جنوب البلاد، الذي يعد أكبر منشأة للطاقة الشمسية المركزة في العالم، بقدرة إنتاجية إجمالية تقارب 580 ميغاواط.

وشكل مشروع نور ورزازات علامة فارقة في تاريخ الطاقة بالمغرب، ليس فقط بحجمه، بل أيضا بكونه رسالة واضحة عن توجه المملكة نحو لعب دور قيادي في مجال الطاقات المتجددة.

مشاريع قيد الإنجاز وتحديات التنفيذ

إلى جانب ورزازات، سعى المغرب إلى تطوير مشاريع شمسية أخرى، من بينها مشروع نور ميدلت بوسط البلاد، الذي لم يبدأ العمل بعد، ورغم رفع القدرة الإنتاجية من الطاقة الشمسية إلى 831 ميغاواط، فإن هذا الرقم ظل دون الهدف الأولي الذي كان يسعى إلى بلوغ 2000 ميغاواط بحلول عام 2020.

وأرجعت مصادر وفقا لرويترز هذا التأخر إلى مشكلات تقنية وعقبات مرتبطة بتمويل بعض المشاريع وتعقيداتها التكنولوجية، إلا أن السلطات أكدت أن هذه التحديات لم توقف المسار العام للتحول الطاقي.

خريطة المشاريع المتجددة

بحلول عام 2025، بلغ عدد مشاريع الطاقة المتجددة المنجزة أو قيد التطوير في المغرب نحو 111 مشروعا، بقدرة إجمالية مركبة تقدر بحوالي 3950 ميغاواط، وتشمل هذه المشاريع نحو 1430 ميغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى 1770 ميغاواط من الطاقة الكهرومائية.

هذا التنوع في مصادر الطاقة يعكس حرص المغرب على بناء مزيج متوازن يقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد، ويعزز استقرار الشبكة الكهربائية.

الفحم بين الواقع والطموح

رغم التوسع الكبير في الطاقات المتجددة، لا تزال محطات الفحم تشكل جزءا مهما من إنتاج الكهرباء في المغرب. غير أن الخطة الوطنية تستهدف التخلص التدريجي من الفحم في توليد الكهرباء بحلول عام 2040، في انسجام مع الالتزامات المناخية الدولية.

وفي هذا السياق، انضم المغرب عام 2023 إلى تحالف دعم التخلي عن الفحم في توليد الطاقة، الذي يضم نحو 60 دولة، ما يعكس التزامه بالانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون.

رهان اقتصادي وبيئي

لا ينظر المغرب إلى الطاقة المتجددة كخيار بيئي فحسب، بل كرافعة للتنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل وتقوية تنافسية الاقتصاد، فإلى جانب تقليص فاتورة الطاقة، تساهم هذه المشاريع في نقل التكنولوجيا، وتنمية المناطق القروية، وتعزيز الأمن الطاقي في مواجهة الأزمات العالمية.

ومع استمرار الاستثمارات وتوسيع البنية التحتية، يراهن المغرب على ترسيخ مكانته كقطب إقليمي للطاقة النظيفة، وقاعدة لتصدير الكهرباء الخضراء والهيدروجين الأخضر مستقبلا نحو أوروبا وإفريقيا.

يعتمد المغرب تاريخيا على استيراد أكثر من 90 بالمئة من حاجاته الطاقية، ما جعله عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، ومع تزايد الطلب الداخلي على الطاقة بفعل النمو السكاني والاقتصادي، برزت الحاجة إلى بدائل مستدامة تقلص هذا الاعتماد. ومنذ إطلاق استراتيجيته الطاقية في 2009، وضع المغرب هدفا يتمثل في استغلال موقعه الجغرافي ومؤهلاته الطبيعية لتطوير الطاقات المتجددة، وقد أسهم هذا التوجه في تحسين صورته الدولية في مجال العمل المناخي، وجعله من الدول الرائدة إقليميا في الانتقال الطاقي، رغم استمرار تحديات التمويل والتكنولوجيا والمواءمة بين الطموح والواقع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية