خطاب الكراهية تحت المجهر.. قلق متزايد من تصاعد العنصرية ضد مهاجرين أفارقة في المغرب
خطاب الكراهية تحت المجهر.. قلق متزايد من تصاعد العنصرية ضد مهاجرين أفارقة في المغرب
تزايدت في الآونة الأخيرة مشاهد مثيرة للقلق في الفضاء العام وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حملت في طياتها خطابات عنصرية وتحريضية تجاه مهاجرين ينحدرون من دول إفريقية، في سياق أعقب أحداثاً رياضية كان يفترض أن تظل في إطارها التنافسي، وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة نقاشاً مجتمعياً حساساً حول مخاطر الانزلاق نحو التعميم والكراهية، وما قد ينجم عن ذلك من تداعيات اجتماعية وإنسانية وسياسية تمس صورة المغرب وقيمه الراسخة.
وفي هذا السياق عبّرت الشبكة النقابية للهجرة بالمغرب عن قلقها الشديد من تصاعد خطاب التحريض والعنصرية والدعوات إلى طرد مهاجرين أفارقة، وذلك على خلفية أحداث رافقت نهائي كأس إفريقيا لكرة القدم، بحسب ما ورد في بلاغ صادر عنها وتداولته وسائل إعلام محلية.
إدانة العنف ورفض التعميم
وأكدت الشبكة في بلاغها إدانتها الصريحة لكل التصرفات العنيفة التي صدرت عن بعض المشجعين خلال المباراة، أياً كانت جنسياتهم أو خلفياتهم، معتبرة أن العنف سلوك مرفوض ولا يمكن تبريره بأي ذريعة رياضية أو غيرها، وشددت على أن المسؤولية عن هذه الأفعال تبقى فردية، ولا يجوز تحويلها إلى مدخل لتجريم فئات كاملة أو تأجيج مشاعر العداء تجاه مجموعات بشرية بسبب أفعال معزولة.
وفي مقابل إدانة العنف، عبّرت الشبكة عن رفضها القاطع لمنطق التعميم، محذرة من خطورة تحميل فئة كاملة من المهاجرين مسؤولية تصرفات أفراد، واعتبرت أن الدعوات إلى الطرد أو الفصل من العمل أو التحريض ضد المهاجرين في المغرب تشكل خرقاً واضحاً للدستور المغربي، ولمبادئ حقوق الإنسان، وللالتزامات الدولية التي صادقت عليها المملكة، فضلاً عن كونها ممارسات غير مقبولة أخلاقياً وقانونياً.
مخاطر الانزلاق نحو الإقصاء
ورأت الشبكة أن بعض الخطابات المتداولة تحمل تشابهاً مقلقاً مع تجارب إقصائية عرفها العالم في مراحل مظلمة من تاريخه، حيث أدى التحريض والكراهية إلى كوارث إنسانية واجتماعية، وأكدت أن التساهل مع هذا النوع من الخطاب قد يفتح الباب أمام تطبيع العنصرية داخل المجتمع، وهو ما يتناقض مع قيم التعايش والانفتاح التي تميز المغرب.
وفي هذا الإطار، ذكّرت الشبكة بأن عدد المغاربة المقيمين بالخارج يناهز 5 ملايين شخص، متسائلة عن مدى قبول المجتمع المغربي بتعرض هؤلاء للإقصاء أو التمييز في بلدان الإقامة بسبب تصرفات فردية لا تمثلهم، واعتبرت أن منطق المعاملة بالمثل يفرض رفض جميع أشكال العنصرية والتمييز، أياً كان مصدرها أو ضحاياها.
الفضاء الرقمي وتضخيم الوقائع
ويرى متابعون للشأن العام أن ما يتم تداوله من مشاهد وخطابات عنصرية لا ينبغي التعامل معه بمنطق الانفعال أو التعميم، خاصة في ظل انتشار صفحات وحسابات رقمية مجهولة المصدر تعمل على تضخيم أحداث معزولة وتقديمها بوصفها ظاهرة عامة، ويحذّر هؤلاء من خطورة الانجرار خلف محتوى يفتقد السياق والدقة، ويغذي مشاعر الغضب والانقسام داخل المجتمع.
ويؤكد هؤلاء أن بعض الأطراف قد تستغل هذه الوقائع لتوجيه ضربات لصورة المغرب، وتقويض دوره الإقليمي ومكانته المتنامية داخل القارة الإفريقية، فالمغرب الذي راكم خلال السنوات الأخيرة حضوراً اقتصادياً ودبلوماسياً قوياً في إفريقيا، بات هدفاً لحملات تشويه قد توظف خطاب الكراهية لإضعاف نفوذه وعلاقاته الاستراتيجية.
العلاقات المغربية الإفريقية
ويشدد فاعلون مدنيون وباحثون على أن العلاقات التي تربط المغرب بالعديد من الدول الإفريقية تقوم على أسس متينة من التعاون والشراكة، وعلى روابط تاريخية وإنسانية عميقة، ويرون أن الزج بهذه العلاقات في منطق العداء بسبب سلوكيات شاذة لا تعكس قيم المجتمع المغربي يشكل خطراً حقيقياً على النسيج الاجتماعي وعلى صورة البلاد.
كما يحذّر هؤلاء من أن تعميم حالات فردية معزولة يسهم في خلق صور نمطية خطيرة، ويغذي الاحتقان الاجتماعي، ويقوض تقاليد التعايش والاحترام المتبادل التي شكلت على الدوام أحد أعمدة الهوية المغربية.
دعوة لتطبيق القانون وحماية الجميع
وفي ضوء هذه التطورات، دعت الشبكة النقابية للهجرة بالمغرب السلطات العمومية إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة في تطبيق القانون، والتصدي الحازم لخطاب الكراهية والتحريض على العنف، وضمان حماية جميع المقيمين فوق التراب المغربي دون أي تمييز، انسجاماً مع ما ينص عليه الدستور.
وأكدت الشبكة أن مواجهة العنصرية لا تقتصر على الإدانة الأخلاقية، بل تتطلب سياسات واضحة وإجراءات عملية تضمن المحاسبة، وتحمي السلم الاجتماعي، وتعزز ثقافة الحقوق والواجبات المشتركة.
كرة القدم والرهان القيمي
وشددت الشبكة على أن كرة القدم تظل رياضة قائمة على المنافسة والربح والخسارة، وينبغي ألا تتحول إلى ذريعة للمساس بالعلاقات الإنسانية أو بروابط الأخوة بين الشعوب، واعتبرت أن استغلال الأحداث الرياضية لتبرير خطاب الكراهية يفرغ الرياضة من قيمها النبيلة، ويحولها إلى أداة للتأجيج بدل التقارب.
وختمت الشبكة موقفها بتأكيد ضرورة ترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل، ونبذ العنف والعنصرية بكل أشكالها، مشددة على أن المغرب سيظل أرضاً للكرامة والعيش المشترك، ومجتمعاً متعدداً ومنفتحاً يرفض الإقصاء ويؤمن بإنسانية الإنسان، بغض النظر عن أصله أو لونه أو انتمائه.
يشهد المغرب منذ سنوات تزايداً في أعداد المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في سياق تحوله من بلد عبور إلى بلد استقبال واستقرار، وقد أطلقت المملكة منذ 2013 سياسة وطنية للهجرة واللجوء، هدفت إلى تسوية أوضاع آلاف المهاجرين وتعزيز إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، ورغم هذه الجهود، لا تزال تحديات التعايش ومناهضة الصور النمطية قائمة، خصوصاً في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار خطاب الكراهية عالمياً، وتأتي النقاشات الأخيرة لتسلط الضوء على الحاجة إلى مواصلة العمل المؤسساتي والمجتمعي من أجل حماية قيم العيش المشترك، وصون صورة المغرب بوصفه بلداً منفتحاً ومتجذراً في عمقه الإفريقي.










