تراجع المواليد والهجرة.. تحديات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الألماني
تراجع المواليد والهجرة.. تحديات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الألماني
تشهد ألمانيا تحولًا ديموغرافيًا غير مسبوق، إذ لم تعد الهجرة الوافدة قادرة على تعويض تراجع عدد المواليد، ما أدى إلى أول انكماش فعلي لسكان البلاد منذ أكثر من عقدين، وأوضح مكتب الإحصاء الاتحادي في فيسبادن، الخميس أن عدد سكان ألمانيا بلغ نحو 5.83 مليون نسمة مع نهاية عام 2025، أي أقل بنحو 100 ألف شخص مقارنة بنهاية عام 2024.
تراجع طبيعي متزامن مع هجرة منخفضة
يُعد هذا الانخفاض مؤشرًا واضحًا على تزايد الفجوة بين عدد المواليد والوفيات في ألمانيا، وهو عجز لم يكن بالإمكان سدّه منذ عام 2020، عندما أثرت جائحة كورونا على معدلات الولادة والهجرة، وتشير تقديرات مكتب الإحصاء إلى أن عدد المواليد في عام 2025 بلغ ما بين 640 ألفًا و660 ألف مولود، في حين تجاوزت حالات الوفاة مليون شخص، ما أسفر عن عجز يتراوح بين 340 ألفًا و360 ألف شخص، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ نحو 171 ألفًا في السنوات السابقة وفق شبكة مهاجر نيوز.
ويعكس هذا التراجع الطبيعي ضغطًا متزايدًا على البنية الديموغرافية للبلاد، إذ يتجاوز عدد الوفيات عدد المواليد منذ توحيد ألمانيا في 1990، لكن الفارق اتسع بشكل واضح في عام 2025، ويضيف هذا الأمر تحديات كبيرة للسياسات الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بالضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، وقوة العمل المستقبلية.
الهجرة لم تعد الحل
على مدار الأعوام من 1990 حتى 2024، بلغ متوسط صافي الهجرة السنوي نحو 356 ألف شخص، لكن هذا المعدل لم يعد كافيًا لتعويض العجز الحالي، ووفقًا للإحصاءات، سجلت الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 زيادة قدرها 220 ألف مهاجر مقارنة بالمغادرين، وهو انخفاض حاد مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، حين بلغ صافي الهجرة 391 ألفًا و500 شخص.
وتشير التقديرات إلى أن صافي الهجرة لكامل عام 2025 سيتراوح بين 220 ألفًا و260 ألف شخص، ما يمثل تراجعًا لا يقل عن 40% مقارنة بعام 2024. ويعد هذا المستوى المنخفض غير مسبوق منذ عام 2020، عندما أثرت قيود جائحة كورونا على حركة الأشخاص بين الدول.
تداعيات مستقبلية على الاقتصاد والمجتمع
يعني تراجع عدد السكان وازدياد الفجوة بين المواليد والوفيات أن ألمانيا ستواجه تحديات هيكلية طويلة الأمد، تشمل ضغوطًا على سوق العمل، ونقصًا في القوى العاملة المؤهلة، وارتفاعًا في نسبة كبار السن ضمن السكان، ما يزيد من تكاليف الرعاية الاجتماعية والصحية، كما سيؤثر الانكماش السكاني على حجم الاستهلاك الداخلي والطلب على الإسكان والخدمات العامة، ويستدعي التفكير في سياسات جديدة لتعزيز الولادات أو تشجيع الهجرة المستدامة.
وقائع تاريخية
شهدت ألمانيا سابقًا تراجعًا في عدد السكان خلال الأعوام من 2003 إلى 2010، كما سجلت انخفاضًا محدودًا في 2020 بسبب كورونا. ومع ذلك، نما عدد السكان سنويًا بين عامي 2011 و2024، باستثناء العام الأول من الجائحة، لكن العام 2025 يمثل محطة مفصلية، إذ لم تعد الهجرة وحدها كافية لسد الفجوة بين المواليد والوفيات، مما يفتح نقاشًا حيويًا حول سياسات الأسرة والهجرة والتوظيف في المستقبل.
ويؤكد خبراء أن هذا التراجع لا يشكل مجرد رقم إحصائي، بل انعكاس لمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية، من بينها تأخر سن الزواج، انخفاض معدلات الخصوبة، تفضيلات الأفراد للعيش في المدن الكبرى، وارتفاع تكاليف الحياة وتربية الأطفال، وجميع هذه العوامل تتداخل لتشكل صورة ديموغرافية تتطلب تدخلًا سياسيًا واستراتيجيًا عاجلًا.
تشير الأرقام الأولية لمكتب الإحصاء الاتحادي إلى أن ألمانيا تواجه حقبة جديدة من التحديات السكانية، تتطلب سياسات مبتكرة لدعم الأسر، وتشجيع المواليد، وتحفيز الهجرة المستدامة، ففي الوقت الذي كان فيه التدفق السكاني يعوّض الانخفاض الطبيعي لسنوات طويلة، لم يعد هذا الخيار متاحًا، ما يجعل البلاد أمام أول اختبار ديموغرافي فعلي منذ عقود، قد يؤثر على جميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خلال السنوات المقبلة.










