أوروبا على خطى ترامب.. دعوات يمينية لإنشاء شرطة خاصة لملاحقة المهاجرين تثير جدلاً
أوروبا على خطى ترامب.. دعوات يمينية لإنشاء شرطة خاصة لملاحقة المهاجرين تثير جدلاً
تصاعدت في عدد من الدول الأوروبية دعوات أحزاب يمينية متطرفة لإنشاء وحدات شرطية متخصصة في ملاحقة المهاجرين غير النظاميين على غرار إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، في خطوة أثارت جدلاً سياسياً واسعاً ومخاوف من انزلاق الخطاب العام نحو مزيد من التشدد في ملف الهجرة.
ووفق ما نقلته صحيفة "بوليتيكو" الأربعاء، فإن أحزاباً يمينية متطرفة في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا بدأت بالفعل طرح مقترحات لتأسيس أجهزة شرطية جديدة أو وحدات خاصة داخل أجهزة الأمن القائمة، تكون مهمتها الأساسية البحث عن المهاجرين غير النظاميين وترحيلهم، مستلهمة النموذج الأمريكي الذي أصبح محور جدل سياسي وإنساني خلال الأشهر الأخيرة.
تحولات في خطاب اليمين
تعكس هذه الدعوات تحولاً لافتاً في خطاب اليمين المتطرف في أوروبا، حيث لم يعد يكتفي بالمطالبة بتشديد قوانين الهجرة أو تسريع إجراءات الترحيل، بل بات يسعى إلى استحداث أجهزة أمنية متخصصة بملاحقة المهاجرين، على غرار ما هو قائم في الولايات المتحدة.
وتعد إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، المعروفة اختصاراً باسم ICE، هي الجهة المسؤولة عن تنفيذ القوانين الفيدرالية المتعلقة بالهجرة والحدود والتجارة، لكنها أصبحت محور انتقادات حادة بعد حوادث قتل تورط فيها عناصرها خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع حملة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتكثيف ترحيل المهاجرين غير النظاميين.
مقترح ألماني يثير الجدل
في ألمانيا، أعلن فرع حزب “البديل من أجل ألمانيا” في ولاية بافاريا خلال يناير عزمه تقديم خطة إلى البرلمان الإقليمي لإنشاء وحدة شرطية متخصصة بترحيل المهاجرين الذين دخلوا البلاد بصورة غير قانونية، ضمن حزمة أوسع من الإجراءات الهادفة إلى تقليص أعداد المهاجرين.
وقالت زعيمة الكتلة البرلمانية للحزب في بافاريا، كاترين إبنر شتاينر، إن الحزب يطالب بتأسيس وحدة للجوء والتحقيق والترحيل داخل شرطة الولاية، تعمل بالتوازي مع رحلات الترحيل التي تنظمها الدولة، غير أن اتحاد شرطة بافاريا رد سريعاً على هذه المقترحات، مؤكداً أنه لا يوجد أساس قانوني لإنشاء وحدة متخصصة بالترحيل داخل جهاز الشرطة.
خطة بلجيكية مشابهة
في بلجيكا، يستعد حزب فلامس بيلانج اليميني المتطرف لتقديم مقترح مشابه خلال الأيام المقبلة، ورغم أن قيادات الحزب حاولت التخفيف من المقارنة المباشرة مع النموذج الأميركي، فإن تفاصيل الخطة تشير إلى تصور قريب منه.
وتتضمن الخطة إنشاء ضباط متخصصين في كل منطقة شرطية، إلى جانب وحدات كاملة في المدن الكبرى والمناطق الحدودية، تكون مهمتها البحث النشط عن المهاجرين غير النظاميين بدلاً من الاكتفاء بتسجيلهم عند ضبطهم صدفة.
وقالت النائبة عن الحزب فرانشيسكا فان بيلجهيم إن الوحدة المقترحة ستعمل داخل بنية الشرطة القائمة ولن تكون وكالة مستقلة، لكنها شددت على ضرورة البحث النشط عن الأشخاص الذين لا يملكون وضعاً قانونياً، مؤكدة أن المقترح ينبع من السياق الوطني وليس استجابة لنماذج خارجية.
طرح فرنسي أكثر تشدداً
في فرنسا، لم يستبعد السياسي اليميني المتطرف إريك زمور فكرة إنشاء جهاز أمني مشابه لوكالة الهجرة الأمريكية، عندما سئل خلال مقابلة تلفزيونية عما إذا كانت البلاد بحاجة إلى مثل هذا الجهاز.
وقال إن الأمر قد يحتاج إلى تكييف مع المؤسسات الفرنسية، لكنه أشار إلى ضرورة التعامل مع ملف الهجرة بحزم شديد، في تصريحات عكست اتجاهاً متزايداً داخل التيارات اليمينية نحو طرح حلول أمنية أكثر صرامة.
انتقادات وتحذيرات
قوبلت هذه المقترحات بانتقادات حادة من خصوم الأحزاب اليمينية المتطرفة، الذين حذروا من أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى تقويض القيم الديمقراطية وزيادة الاستقطاب داخل المجتمعات الأوروبية.
وقال عضو البرلمان الأوروبي الألماني، داميان بوزيلاجر، من حزب الخضر إن من يروج لمثل هذه الأفكار خرج عن الطيف الديمقراطي ولا يمكن قبوله، كما اعتبرت مانون أوبري، الرئيسة المشاركة لكتلة اليسار في البرلمان الأوروبي، أن سياسات اليمين المتطرف تمثل سلسلة متواصلة من العنف السياسي يجب التصدي لها في بدايتها قبل أن تصبح جزءاً من الخطاب السائد.
اتجاه أوروبي نحو التشدد
ترى المحللة السياسية لورا جاكوبس من جامعة أنتويرب أن بعض أحزاب اليمين المتطرف تحاول تجنب الارتباط المباشر بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتى لا تتضرر صورتها أمام الناخبين الأوروبيين، لكنها في الواقع تشير إلى نموذج شرطة مماثل لما هو قائم في الولايات المتحدة.
وأضافت أن هذه الدعوات تندرج ضمن اتجاه أوسع باتت فيه الإجراءات الصارمة والمواقف المناهضة للهجرة أكثر قبولاً في النقاش السياسي العام، وهو ما يعكس تحولات عميقة في المزاج السياسي الأوروبي.
وفي سياق موازٍ، بدأ الاتحاد الأوروبي نفسه بتشديد سياساته المتعلقة بالهجرة، في محاولة لاحتواء صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة واستعادة ثقة الناخبين.
ففي يناير، قدمت المفوضية الأوروبية استراتيجية هجرة تمتد 5 سنوات، تضمنت ما وصفته بدبلوماسية هجرة حازمة، تهدف إلى الضغط على دول أخرى لمنع تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا، وإعادة مواطنيها الذين لا يحق لهم البقاء داخل أراضي الاتحاد.
شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من الهجرة غير النظامية نتيجة النزاعات في الشرق الأوسط وإفريقيا والأزمات الاقتصادية في عدة مناطق من العالم، وقد أدى ذلك إلى تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية داخل العديد من الدول الأوروبية، وفتح الباب أمام صعود أحزاب يمينية متطرفة جعلت من ملف الهجرة محوراً رئيسياً في برامجها الانتخابية، وفي المقابل، تحاول الحكومات الأوروبية التوفيق بين التزاماتها الإنسانية والقانونية تجاه طالبي اللجوء وبين الضغوط السياسية والشعبية المتزايدة لتشديد الرقابة على الحدود وتسريع عمليات الترحيل، ما يجعل ملف الهجرة واحداً من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً في المشهد السياسي الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.










