مدن تحت النار وطفولة مسروقة.. تقرير حقوقي: مشهد الانتهاكات يتسع شمال وشرق سوريا
مدن تحت النار وطفولة مسروقة.. تقرير حقوقي: مشهد الانتهاكات يتسع شمال وشرق سوريا
ترسم التقارير الحقوقية القادمة من شمال وشرق سوريا مشهداً إنسانياً بالغ القسوة، حيث تتداخل صور الدمار مع صرخات الفقد وقلق الانتظار. مدن محاصرة بالخراب، جثث ما زالت تنتظر الدفن، عائلات تبحث في الركام عن أبنائها المفقودين، وأطفال تحولت براءتهم إلى أهداف للعنف والاختطاف والقتل، هذا الواقع لا يعكس فقط فداحة الحرب، بل يكشف عن سلسلة متواصلة من الجرائم التي ترقى -وفق القانون الدولي- إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في ظل غياب أي مساءلة دولية فعالة.
ووفقاً لآخر تقرير صادر عن منظمة حقوق الإنسان في عفرين، فإن مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا تشهد منذ سنوات انتهاكات جسيمة ومنهجية، ارتكبتها عناصر هيئة تحرير الشام وداعش إلى جانب فصائل مسلحة ومرتزقة مدعومة من تركيا، ما حول حياة المدنيين إلى دائرة مفتوحة من الخوف والنزوح والموت.
حلب في قلب المأساة
تشير المعطيات الحقوقية إلى أن مدينة حلب كانت من أكثر المناطق تضرراً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث قُتل أكثر من 1200 شخص منذ بداية شهر يناير، وهذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل قصص لعائلات دمرت بالكامل، وبيوت أُفرغت من ساكنيها، وأحياء تحولت إلى مساحات صامتة يخيّم عليها الحزن.
وتوضح التقارير أن القتل لم يكن نتيجة اشتباكات مباشرة فقط، بل جاء أيضاً نتيجة قصف عشوائي واستهداف مناطق مأهولة بالسكان، ما جعل المدنيين في مواجهة خطر دائم لا يميز بين طفل وامرأة أو مسن.
امتداد العنف إلى مدن أخرى
لم تتوقف الانتهاكات عند حدود حلب، بل امتدت إلى مدن وبلدات أخرى في شمال وشرق سوريا، ففي الرقة قُتل 15 شخصاً أثناء محاولتهم الفرار من الهجمات، في مشهد يعكس حجم الرعب الذي يدفع المدنيين إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن النجاة، وفي كوباني أسفر القصف المدفعي عن مقتل 5 أشخاص، في حين وثقت التقارير في عفرين مقتل 4 نساء في ظروف عنيفة.
كما سجلت جريمة قتل شاب في مدينة الطبقة بعد تشويه جسده، إلى جانب حالات قتل أخرى وقعت أثناء محاولات فرار من الرقة والطبقة، ما يؤكد أن العنف لم يكن حادثاً معزولاً، بل جزء من نمط متكرر يستهدف المدنيين بشكل مباشر.
استهداف البنية المدنية
اتخذت الانتهاكات أشكالاً متعددة، شملت قصف عشرات المواقع المدنية من مستشفيات ومنازل إلى مؤسسات خدمية، ما فاقم من معاناة السكان وقلص فرص حصولهم على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن ما لا يقل عن 300 مدني تعرضوا لاعتقالات مهينة، في حين جرى حرق جثامين 15 مقاتلاً، وإعدام شخص ثم تشويه جسده، في ممارسات تعكس درجة عالية من الوحشية وانتهاك الكرامة الإنسانية.
من جهته أكد الهلال الأحمر الكردي اختطاف 3 من موظفيه أثناء تأدية عملهم الإنساني، ما يشكل ضربة مباشرة للجهود الإغاثية ويهدد سلامة العاملين في المجال الإنساني، كما سجلت اللجان المحلية أكثر من 278 شخصاً في عداد المفقودين، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل صعوبة الوصول إلى العديد من المناطق.
قصة طفل تختصر الألم
من بين كل هذه الوقائع، تبرز قصة الطفل محمد أحمد الأساف بوصفها واحدة من أكثر القصص إيلاماً. ففي حي الشعار بمدينة حلب اختُطف الطفل وطالب خاطفوه بفدية مالية قدرها 3000 دولار، ورغم ذلك انتهت القصة بمقتله، حيث عُثر على جثمانه بعد 20 يوماً من الاختفاء. هذه الحادثة لم تكن مجرد جريمة فردية، بل صدمة جماعية أعادت إلى الواجهة حجم المخاطر التي تحيط بالأطفال في مناطق النزاع.
وفي حيي الشيخ مقصود والأشرفية، تجاوز عدد المختطفين 2000 شخص، بينهم نساء وأطفال، في حين سجلت حالات اختطاف أخرى في عفرين، ما يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع، حيث بات الاختطاف أداة ضغط ورعب تستخدم على نطاق واسع.
خريطة نار تتوسع
تفيد التقارير بأن الهجمات التي بدأت في 6 يناير الماضي لم تظل محصورة في منطقة واحدة، بل امتدت من حلب إلى مسكنة ودير حافر، ثم إلى الرقة والطبقة ودير الزور والحسكة وكوباني، ومع كل يوم تتكشف تفاصيل جديدة عن حجم الكارثة الإنسانية، في وقت تؤكد فيه منظمة حقوق الإنسان في عفرين سوريا أنها لم تتمكن من توثيق سوى جزء مما يحدث على الأرض؛ بسبب صعوبات ميدانية وأمنية تعوق الوصول إلى العديد من المناطق المنكوبة.
غياب المساءلة واستمرار النزيف
تعكس هذه الوقائع مجتمعة حالة من الإفلات شبه التام من العقاب، حيث تمر الجرائم دون تحقيقات دولية جادة أو محاسبة للمسؤولين عنها، ويرى ناشطون حقوقيون أن هذا الغياب يشجع على استمرار الانتهاكات، ويترك المدنيين وحدهم في مواجهة آلة العنف، دون حماية أو أفق واضح للحل.
يشهد شمال وشرق سوريا منذ سنوات صراعاً معقداً تتداخل فيه أطراف محلية وإقليمية ودولية، ما أدى إلى تفكك البنية الاجتماعية وتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق، وتعد هذه المناطق من أكثر المناطق السورية تضرراً بفعل العمليات العسكرية المتكررة، والتهجير القسري، والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من توثيق عشرات التقارير الحقوقية لجرائم ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا تزال الاستجابة الدولية محدودة، وسط غياب آليات فعالة للمحاسبة والإنصاف. وفي ظل هذا الواقع يبقى المدنيون، ولا سيما النساء والأطفال، الحلقة الأضعف في صراع طويل لم تنجح السياسة حتى الآن في إيقاف نزيفه أو تضميد جراحه.











