"الأورومتوسطي": غرق قارب مهاجرين قبالة ليبيا نتيجة سياسات الإغلاق الأوروبية

"الأورومتوسطي": غرق قارب مهاجرين قبالة ليبيا نتيجة سياسات الإغلاق الأوروبية
إنقاذ مهاجرين في البحر الأبيض المتوسط

عاد البحر الأبيض المتوسط ليبتلع عشرات الأرواح في حادثة جديدة تؤكد أن طريق الهجرة لا يزال محفوفا بالمخاطر القاتلة، فقد أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قلق بالغ بعد غرق قارب كان يقل مهاجرين وطالبي لجوء قبالة السواحل الليبية، في مأساة وصفها بأنها نتيجة مباشرة لسياسات إغلاق الحدود وغياب الممرات الآمنة، ما يترك آلاف الأشخاص في مواجهة البحر بلا حماية حقيقية.

وذكر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان له الأربعاء، أن القارب المطاطي كان يحمل نحو 55 مهاجرا من جنسيات إفريقية، وقد انطلق من سواحل مدينة الزاوية غربي ليبيا مساء 5 فبراير الجاري، قبل أن تتسرب إليه المياه بعد نحو 6 ساعات فقط من الإبحار، ما أدى إلى انقلابه قبالة سواحل مدينة زوارة، ولم تتمكن فرق البحث والإنقاذ من العثور سوى على ناجيتين، بينما لا يزال 53 شخصا في عداد المفقودين ويخشى أن يكونوا قد لقوا حتفهم، بينهم رضيعان، وفقا لمعلومات أولية تداولتها مصادر محلية وجهات معنية.

ثمن فادح

اعتبر المرصد أن تكرار حوادث غرق المهاجرين في البحر المتوسط يعكس فشلا خطيرا في توفير الحماية الفعلية للمهاجرين وطالبي اللجوء، مشيرا إلى أن أعدادا متزايدة من الأشخاص يجبرون على ركوب قوارب غير صالحة للإبحار بسبب غياب البدائل القانونية والآمنة، وأوضح أن السياسات التي تركز على الردع وإغلاق الحدود دون معالجة أسباب النزوح تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم في البحر.

بحسب بيانات مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة، فقد شهدت مسارات الهجرة الثلاثة في البحر الأبيض المتوسط، الغربي والوسط والشرقي، وفاة أو فقدان 1873 مهاجرا وطالب لجوء خلال عام 2025، ومنذ بداية عام 2026 وحتى 5 فبراير، سقط نحو 524 قتيلا أو مفقودا، ما يعكس ارتفاعا في الخسائر البشرية مع تراجع عمليات البحث والإنقاذ الرسمية وتشديد القيود على العمل الإنساني في البحر.

انتقادات للسياسات الأوروبية

أشار المرصد إلى أن هذه الحوادث لا يمكن فصلها عن السياسات الأوروبية التي تسهم في عسكرة البحر المتوسط وتقييد عمل سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية، ولفت إلى أن بعض الدول الأوروبية تدعم وتمول خفر السواحل في دول عبور غير آمنة مثل ليبيا، لاعتراض المهاجرين وإعادتهم قسرا إلى مراكز احتجاز تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية وتشهد انتهاكات جسيمة موثقة.

لفت المرصد إلى حادثة أخرى وقعت في 3 فبراير 2026 قبالة جزيرة خيوس اليونانية، حيث قتل 15 مهاجرا وطالب لجوء على الأقل وأصيب 26 آخرون، فيما فقد عدد غير معروف. وأفاد خفر السواحل اليوناني بأن القارب كان يبحر دون إضاءة وتجاهل أوامر التوقف، ما أدى إلى اصطدامه بسفينة الدورية وانقلابه، لكن ناجين من الحادثة أكدوا أن القارب لم يغير مساره وأنهم لم يتلقوا أي تحذيرات قبل الاصطدام.

دعوات لتحقيق مستقل

أوضح المرصد أن هناك أسبابا معقولة للتشكيك في الرواية الرسمية للحادثة، في ظل تناقضها مع إفادات الناجين وسوابق موثقة تتعلق باستخدام القوة المفرطة وعمليات صد عنيفة في البحر، وطالب بفتح تحقيق مستقل وشفاف لتحديد الوقائع والمسؤوليات.

ربط المرصد بين تصاعد حوادث الغرق والتغييرات التشريعية التي أقرها الاتحاد الأوروبي مؤخرا، ومنها توسيع مفهوم الدولة الثالثة الآمنة واعتماد قوائم موحدة لبلدان منشأ مصنفة آمنة، وحذر من أن هذه الإجراءات قد تقوض مبدأ التقييم الفردي لطلبات اللجوء وتؤدي إلى ترحيل طالبي اللجوء إلى دول لا توفر حماية كافية.

انتهاكات للقانون الدولي

أكد المرصد أن ممارسات الاعتراض العنيف والإعادة القسرية تمثل انتهاكا صريحا للالتزامات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كما شدد على أن التخلي عن إنقاذ المنكوبين يخالف قواعد القانون الدولي البحري التي تفرض تقديم المساعدة الفورية في عرض البحر.

مطالبات بإجراءات عاجلة

دعا المرصد الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة تشريعاته الأخيرة المتعلقة بالهجرة واللجوء، وفتح ممرات قانونية وآمنة تتيح لطالبي اللجوء الوصول إلى الحماية دون المخاطرة بحياتهم في البحر، كما طالب الدول المطلة على المتوسط بوقف سياسات عسكرة الحدود وعدم عرقلة عمل سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية.

ودعا أيضا إلى وقف تمويل خفر السواحل في دول عبور غير آمنة مثل ليبيا، محذرا من أن استمرار هذا الدعم قد يجعل الدول الأوروبية شريكا قانونيا في عمليات الإعادة القسرية والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون بعد إعادتهم.

يشهد البحر الأبيض المتوسط منذ أكثر من عقد موجات متكررة من حوادث غرق المهاجرين، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية التي تدفع آلاف الأشخاص إلى مغادرة بلدانهم بحثا عن الأمان، ومع تشديد السياسات الأوروبية منذ عام 2015، تراجعت عمليات البحث والإنقاذ الرسمية، فيما واجهت سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية قيودا قانونية وإدارية متزايدة، ووفقا لتقارير دولية، أصبح المسار الأوسط من ليبيا إلى السواحل الأوروبية أحد أخطر طرق الهجرة في العالم، حيث يفقد آلاف الأشخاص حياتهم سنويا في رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، وتؤكد منظمات حقوقية أن غياب الممرات الآمنة والسياسات التي تركز على الردع بدلا من الحماية تسهم في استمرار هذه المآسي، وتحوّل البحر المتوسط إلى أحد أكبر مقابر المهاجرين في العصر الحديث.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية