بين المنع والاعتقال.. الإجراءات الإسرائيلية تفاقم انتهاكات حقوق الصحفيين

بين المنع والاعتقال.. الإجراءات الإسرائيلية تفاقم انتهاكات حقوق الصحفيين
ناشط يحمل صورة الصحفية الفلسطينية بشرى الطويل

في مشهد يعكس تضييقا متصاعدا على العمل الصحفي في الأراضي الفلسطينية، برزت خلال الأيام الأخيرة حالتان منفصلتان تكشفان طبيعة القيود المفروضة على الإعلاميين، إحداهما تتعلق بمنع صحفي إيطالي من دخول الأراضي المحتلة، والأخرى بتحويل صحفية فلسطينية إلى الاعتقال الإداري، في خطوة أثارت تساؤلات حول حرية العمل الصحفي ومستقبل التغطية المستقلة.

وذكرت صحيفة هآرتس العبرية، الخميس، أن السلطات الإسرائيلية منعت الصحفي الإيطالي أليساندرو ستيفانيلي من دخول إسرائيل عبر الأردن في يناير، بعد احتجازه لنحو 5 ساعات في معبر جسر الملك حسين، قبل إبلاغه بقرار الرفض وإعادته إلى الأردن، وذلك بعد أن ألغيت تأشيرته الرقمية في يوليو من دون توضيح الأسباب.

صحفي مرفوض عند المعبر

ستيفانيلي صحفي مستقل عمل خلال السنوات الماضية مع عدد من وسائل الإعلام الدولية، من بينها ليبراسيون الفرنسية وذي أتلانتيك الأمريكية ولا ريبوبليكا ولا ستامبا الإيطاليتان. 

وخلال نحو 15 زيارة سابقة إلى إسرائيل، كان يحصل في كل مرة على بطاقة صحفي من مكتب الصحافة الحكومي، ولم يسبق أن اعتقل أو خضع لتحقيق أمني.

لكن في يوليو 2025 تلقى رسالة إلكترونية تفيد بإلغاء تأشيرته، وطُلب منه مراجعة السفارة الإسرائيلية في روما، وهو ما فعله من دون أن يحصل على تفسير رسمي، وعندما حاول دخول البلاد مجددا في يناير الماضي عبر الأردن، خضع لاستجواب استمر ساعات، قبل أن يبلغ بقرار المنع.

وبحسب وثيقة الاستجواب التي تسلمها، فإن قرار المنع جاء بناء على توصية أمنية تفيد بأنه يغطي الأحداث في إسرائيل بصورة منحازة من جانب واحد، وأنه بعد 7 أكتوبر 2023 اتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصري في الضفة الغربية.

ويأتي منع ستيفانيلي ضمن موجة حالات رفض دخول طالت خلال الأشهر الأخيرة عاملين في منظمات إنسانية وأطباء ومتطوعين وموظفين في الأمم المتحدة، حاولوا الوصول إلى الضفة الغربية أو قطاع غزة.

صحفية تعود إلى السجن

في تطور موازٍ، قرر القضاء الإسرائيلي تحويل الصحفية الفلسطينية بشرى الطويل إلى الاعتقال الإداري لمدة 4 أشهر، بعد أسبوع من اعتقالها على حاجز عين سينيا العسكري شمال مدينة رام الله.

الطويل من مدينة البيرة، وهي ابنة القيادي الأسير جمال الطويل المعتقل منذ 27 أكتوبر 2025، بعد اقتحام منزله، علما بأنه أمضى أكثر من 19 عاما في السجون الإسرائيلية.

وكانت بشرى قد أفرج عنها في 20 يناير 2025 ضمن صفقة تبادل، بعد أن أمضت أكثر من 5 سنوات في السجون عبر عدة اعتقالات، لتجد نفسها بعد أقل من عام تعود إلى الاعتقال مجددا، وهذه المرة بقرار إداري من دون محاكمة.

وتعد قضية الطويل جزءا من موجة اعتقالات طالت نساء فلسطينيات خلال الفترة الأخيرة، إذ أعلن نادي الأسير الفلسطيني اعتقال 10 نساء خلال أيام قليلة، بينهن طفلة، ما رفع عدد الأسيرات في سجون إسرائيل إلى 66 أسيرة، بينهن 3 طفلات.

اتهامات بالتحريض

بحسب معطيات نادي الأسير، فإن التهمة الأبرز التي توجه إلى الأسيرات هي التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو اتهام يوصف بأنه فضفاض، ويستخدم لتوسيع دائرة الاعتقالات وفرض مزيد من الرقابة.

كما يشير النادي إلى أن الاعتقال الإداري يشكل الذريعة الثانية لاحتجاز الأسيرات، إذ تعتمد السلطات الإسرائيلية على ملفات سرية لا تكشف تفاصيلها، ما يجعل المعتقلات في وضع قانوني معقد، يطيل أمد احتجازهن من دون محاكمة.

وتقبع غالبية الأسيرات في سجن الدامون، فيما تحتجز أخريات في مراكز التحقيق والتوقيف، حيث تواجه المعتقلات ظروفا اعتقالية صعبة، تشمل التجويع والقمع والحرمان من الزيارة والعلاج، إضافة إلى العزل والتفتيش العاري.

انتهاكات موثقة

وثّقت مؤسسات حقوقية انتهاكات واسعة بحق الأسيرات منذ لحظة الاعتقال، مرورا بمرحلة التحقيق، ثم نقلهن إلى سجن هشارون مؤقتا، وصولا إلى احتجازهن في الدامون.

وتشير هذه المؤسسات إلى أن بعض الأسيرات يعانين من أمراض خطيرة، من بينهن أسيرتان مصابتان بالسرطان، في ظل ما تصفه المنظمات بحرمان منهجي من الرعاية الطبية، ومنع الزيارات العائلية، ما يزيد من الضغوط النفسية عليهن.

كما تشمل الانتهاكات الموثقة التعذيب والتنكيل والإذلال والتفتيش العاري، إضافة إلى استخدام بعض الأسيرات كوسيلة ضغط على عائلاتهن، في سياق سياسات توصف بأنها ممنهجة داخل منظومة السجون.

اتساع دائرة الاستهداف

تشير الإحصاءات إلى تسجيل أكثر من 680 حالة اعتقال في صفوف النساء منذ بداية الحرب، وهو رقم لا يشمل النساء اللائي اعتقلن من قطاع غزة، ويقدر عددهن بالعشرات.

ويرى متابعون أن هذه الأرقام تعكس تحولا في طبيعة الاستهداف، حيث لم تعد الاعتقالات تقتصر على الناشطات السياسيات، بل امتدت إلى صحفيات وطالبات وأمهات وأسرى محررات.

ويؤكد حقوقيون أن الجمع بين القيود المفروضة على الصحفيين الأجانب ومنعهم من الدخول، وبين اعتقال الصحفيات الفلسطينيات أو تحويلهن إلى الاعتقال الإداري، يعكس بيئة إعلامية شديدة التعقيد، تزداد فيها القيود يوما بعد يوم.

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا في القيود المفروضة على الصحفيين العاملين في الأراضي الفلسطينية، سواء من خلال منع الدخول أو إلغاء التأشيرات أو الاعتقال الإداري، ويعد الاعتقال الإداري أحد أبرز أدوات الاحتجاز التي تستخدمها سلطات إسرائيل، إذ يتيح احتجاز الأشخاص لفترات تتجدد من دون توجيه تهم رسمية أو محاكمة علنية، استنادا إلى ملفات سرية، وتشير تقارير حقوقية دولية إلى أن الصحفيين الفلسطينيين يواجهون مخاطر متعددة، تشمل الاعتقال والمنع من السفر والاستهداف خلال التغطيات الميدانية، في وقت تزايدت فيه القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب إلى الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ما أثار انتقادات واسعة من منظمات الدفاع عن حرية الصحافة التي حذرت من تراجع غير مسبوق في بيئة العمل الإعلامي في المنطقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية