وسط رهانات استثمارية.. قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي تبحث الوظائف وسلامة الأطفال
وسط رهانات استثمارية.. قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي تبحث الوظائف وسلامة الأطفال
انطلقت في العاصمة الهندية نيودلهي الاثنين فعاليات قمة عالمية للذكاء الاصطناعي، وسط حضور سياسي وتقني واسع، لمناقشة قضايا تتراوح بين اضطرابات سوق العمل وسلامة الأطفال والتحديات البيئية المرتبطة بهذه التكنولوجيا، ويأتي انعقاد القمة في وقت يشهد فيه العالم تسارعاً غير مسبوق في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، مع ارتفاع أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى وتزايد المخاوف من آثار هذه الثورة الرقمية في المجتمعات والاقتصادات.
تجمع القمة مسؤولين تنفيذيين من شركات ذكاء اصطناعي عالمية كبرى وعدداً من زعماء العالم، في وقت تسعى فيه الهند إلى تعزيز موقعها لتكون وجهة رئيسية للاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، وفق وكالة رويترز.
استثمارات ضخمة حتى 2030
تتزايد أهمية الهند في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية، بعد إعلان شركات غوغل التابعة لألفابت ومايكروسوفت وأمازون عن استثمارات تصل إجمالاً إلى نحو 68 مليار دولار في البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي داخل البلاد حتى عام 2030، وتعكس هذه الأرقام ثقة الشركات العالمية في السوق الهندية التي تضم مئات الملايين من المستخدمين وتشهد نمواً متسارعاً في الاقتصاد الرقمي.
ويشارك في القمة رؤساء تنفيذيون لشركات كبرى، منها ألفابت وأوبن إيه آي وريلاينس الهندية وغوغل ديب مايند، كما من المقرر أن يلقي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي كلمة مشتركة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال أيام القمة.
منصة للدول النامية
تروج الحكومة الهندية للقمة التي تحمل اسم قمة الهند عن تأثيرات الذكاء الاصطناعي على أنها مساحة لإيصال صوت الدول النامية في النقاش العالمي حول حوكمة هذه التكنولوجيا، وتعد نيودلهي أول مدينة في دولة نامية تستضيف هذا الحدث العالمي، في خطوة تعكس طموح الهند للعب دور قيادي في رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي.
وكتب رئيس الوزراء ناريندرا مودي أن موضوع القمة يتمحور حول النفع للجميع والسعادة للجميع، ما يعكس التزام الهند بتسخير الذكاء الاصطناعي من أجل تنمية تركز على الإنسان.
ويعد هذا الاجتماع السنوي الرابع من نوعه بعد قمم سابقة عقدت في باريس وسيول وبليتشلي في بريطانيا، لكن النسخة الحالية توصف بأنها الكبرى حتى الآن، إذ تتوقع الحكومة الهندية حضور 250 ألف زائر بينهم 20 زعيماً وطنياً و45 وفداً على المستوى الوزاري.
الهند تراهن على الاستخدام الواسع
رغم الطموحات الكبيرة، لم تنتج الهند حتى الآن نموذجاً رائداً عالمياً ينافس النماذج الأمريكية أو الصينية، لكنها تراهن على ميزة تنافسية مختلفة تقوم على الاستخدام الواسع للتقنيات بدلاً من تطوير النماذج الأساسية.
وتحظى هذه الاستراتيجية بدعم واضح من الانتشار السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل البلاد، فقد تجاوز عدد المستخدمين اليومي لخدمات تشات جي بي تي في الهند 72 مليون مستخدم بحلول أواخر 2025، ما جعلها أكبر سوق للمستخدمين لدى شركة أوبن إيه آي.
مخاوف على وظائف التكنولوجيا
لكن هذا التبني السريع للذكاء الاصطناعي يثير قلقاً متزايداً في قطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي الذي تبلغ قيمته نحو 283 مليار دولار ويعد أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وتشير تقديرات بنك جيفريز الاستثماري إلى أن مراكز الاتصال قد تواجه انخفاضاً في الإيرادات بنسبة تصل إلى 50 بالمئة بحلول عام 2030 بسبب اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويخشى خبراء من أن يؤدي الاعتماد الواسع على الأتمتة والأنظمة الذكية إلى تقليص الوظائف منخفضة ومتوسطة المهارات، وهو ما قد يخلق تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة في بلد يعتمد ملايين الأشخاص فيه على قطاع الخدمات التقنية.
سلامة الذكاء الاصطناعي في الواجهة
تحتل قضية سلامة الذكاء الاصطناعي موقعاً مركزياً في نقاشات القمة، خصوصاً فيما يتعلق بمخاطر التضليل والتزييف العميق، وتأتي هذه المخاوف بعد جدل أثاره برنامج دردشة آلي طورته شركة إكس إيه آي التابعة لإيلون ماسك، عندما سمح بتركيب صور جنسية لأشخاص حقيقيين، بينهم أطفال، باستخدام أوامر نصية بسيطة.
وتعد هذه القضية مثالاً على التحديات الأخلاقية التي تفرضها أدوات الذكاء الاصطناعي، في ظل غياب قواعد تنظيمية موحدة على المستوى العالمي.
وفي القمة السابقة التي استضافتها باريس، وقعت عشرات الدول على بيان يدعو إلى وضع قواعد تنظيمية تجعل الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وأخلاقية، غير أن الولايات المتحدة لم توقع عليه، محذرة من أن المبالغة في التنظيم قد تعرقل قطاعاً لا يزال في بداياته.
رؤية بثلاثة محاور
تركز قمة نيودلهي على ثلاثة محاور رئيسية هي الناس والتقدم والكوكب، في محاولة لربط الذكاء الاصطناعي بقضايا التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة.
وتؤكد وزارة تكنولوجيا المعلومات الهندية أن القمة تهدف إلى رسم رؤية مشتركة للذكاء الاصطناعي تخدم الغالبية وليس القلة فقط، في إشارة إلى الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية.
ورغم الطموحات الكبيرة، يرى خبراء أن الطريق ما زال طويلاً أمام الهند قبل أن تتمكن من منافسة الولايات المتحدة والصين في تطوير النماذج الأساسية، رغم تقدمها إلى المرتبة الثالثة عالمياً في مؤشر تنافسية الذكاء الاصطناعي إلى جانب كوريا الجنوبية واليابان.
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تسارعاً هائلاً في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعد إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي التي أحدثت تغييراً جذرياً في مجالات مثل البرمجة والتعليم والإعلام والخدمات، وقد دفعت هذه الطفرة الدول والشركات إلى استثمار مليارات الدولارات في البنية التحتية والبحث والتطوير، ومع توسع استخدام هذه التقنيات، تصاعدت المخاوف بشأن تأثيرها في سوق العمل وخصوصية البيانات وانتشار التضليل الرقمي، وأصبحت القمم الدولية حول الذكاء الاصطناعي منصة رئيسية لمحاولة وضع قواعد مشتركة لتنظيم هذا القطاع، وسط تباين واضح بين الدول حول مستوى التنظيم المطلوب، في ظل سباق عالمي على الريادة التكنولوجية.










