بعد شهور من الاشتباكات.. تبادل معتقلين في السويداء يفتح نافذة لتخفيف الأزمة الإنسانية

بعد شهور من الاشتباكات.. تبادل معتقلين في السويداء يفتح نافذة لتخفيف الأزمة الإنسانية

شهدت محافظة السويداء في جنوب سوريا تطوراً لافتاً مع تنفيذ أول عملية تبادل للموقوفين والأسرى بين الحكومة والفصائل الدرزية، في خطوة تحمل مؤشرات أولية على محاولة تخفيف التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، وتعكس العملية التي وصفت بأنها الأولى من نوعها منذ اندلاع الاشتباكات الأخيرة، تحركاً نحو المسار الإنساني بعد فترة طويلة من التصعيد.

وبحسب ما أعلنته مديرية الإعلام في محافظة السويداء، ونقلته رويترز الخميس، فقد أفرجت الحكومة عن 61 شخصاً من عناصر الفصائل الدرزية كانوا محتجزين في سجن عدرا المركزي قرب العاصمة، مقابل إطلاق سراح 25 من عناصرها لدى ما يعرف بقوات الحرس الوطني التابعة للدروز، وجرت العملية بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ما منحها بعداً إنسانياً ورقابياً يعزز من مصداقيتها.

يكتسب إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر أهمية خاصة في مثل هذه العمليات، حيث يضمن احترام المعايير الإنسانية ويحد من احتمالات الانتهاكات، كما يسهم وجود جهة دولية محايدة في بناء قدر من الثقة بين الأطراف المتنازعة، وهو عنصر أساسي في أي مسار تهدئة مستدام.

أبعاد إنسانية وسياسية

لا تقتصر أهمية عملية التبادل على بعدها الإنساني المتمثل في إعادة المحتجزين إلى عائلاتهم، بل تحمل أيضاً دلالات سياسية تعكس وجود قنوات تواصل مفتوحة بين الأطراف رغم الخلافات، ويرى مراقبون أن مثل هذه الخطوات قد تمهد لمبادرات أوسع تهدف إلى تثبيت الاستقرار في المنطقة.

تأتي هذه العملية في أعقاب اشتباكات عنيفة شهدتها السويداء في يوليو 2025، حيث اندلعت مواجهات طائفية بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية سنية، وقد تصاعدت حدة القتال بشكل كبير مع تدخل القوات الحكومية في محاولة لاحتواء النزاع، ما أدى إلى اتساع رقعة الاشتباكات وسقوط عدد كبير من الضحايا.

تعقد المشهد أكثر مع دخول أطراف إقليمية على خط الأحداث، إذ شنت إسرائيل ضربات ضد مواقع تابعة للحكومة السورية، في خطوة بررتها بدعمها للدروز. هذا التدخل أضاف بعداً إقليمياً للأزمة، وزاد من تعقيد فرص احتوائها بسرعة.

خسائر بشرية ومجتمعية

أسفرت الاشتباكات التي استمرت لأيام عن مقتل المئات، إلى جانب دمار واسع في الممتلكات ونزوح عدد من السكان. كما تركت هذه الأحداث آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي في محافظة السويداء، حيث تصاعدت حالة التوتر وعدم الثقة بين المكونات المختلفة.

في أعقاب هذه التطورات تم الإعلان عن وقف شامل لإطلاق النار في يوليو 2025، ما أسهم في تهدئة الأوضاع نسبياً، غير أن هذا الهدوء ظل هشاً، مع استمرار المخاوف من تجدد العنف في أي لحظة، خاصة في ظل غياب حلول جذرية للأسباب التي أدت إلى اندلاع النزاع.

مؤشرات على انفراجة محدودة

تعد عملية تبادل الأسرى الحالية مؤشراً على إمكانية تحقيق خطوات إضافية نحو التهدئة، لكنها لا تزال محدودة في تأثيرها ما لم تتبع بإجراءات أوسع تشمل معالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة. ويرى محللون أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على قدرة الأطراف على البناء عليها وتوسيع نطاق الحوار.

رغم هذه الخطوة، لا تزال السويداء تواجه تحديات كبيرة، منها انتشار السلاح، وضعف مؤسسات الدولة، واستمرار التوترات بين المكونات المحلية. كما أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تزيد من صعوبة تحقيق استقرار دائم، حيث تشكل بيئة خصبة لاندلاع النزاعات.

تعد محافظة السويداء من المناطق ذات الخصوصية في سوريا، إذ تقطنها غالبية من الطائفة الدرزية التي حافظت خلال سنوات النزاع على قدر من الاستقلالية في إدارة شؤونها المحلية، ومع تصاعد الأزمة السورية منذ 2011، شهدت المحافظة فترات من الهدوء النسبي مقارنة بمناطق أخرى، قبل أن تتعرض مؤخراً لتوترات داخلية نتيجة عوامل متعددة، منها الأوضاع الاقتصادية وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، وتبرز الاشتباكات التي وقعت في يوليو 2025 بوصفها واحدة من أعنف الأحداث التي شهدتها المنطقة، ما يجعل أي خطوة نحو التهدئة، مثل تبادل الأسرى، ذات أهمية خاصة في مسار استعادة الاستقرار.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية