مع اشتعال الحرب.. المدنيون العرب في قلب الصراع الأمريكي الإيراني

في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني

مع اشتعال الحرب.. المدنيون العرب في قلب الصراع الأمريكي الإيراني
صواريخ إيرانية في السماء - أرشيف

في خطوة "انتحارية" وغير مسؤولة، استهدفت إيران صباح اليوم السبت عدداً من الدول العربية؛ إذ قُتل وأصيب مدنيون، وتعرضت مواقع ومنشآت للاعتداءات في الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن.

ويمثل استهداف المدنيين انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي، ولا سيما أحكام القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية خاصة للمدنيين وقت النزاعات المسلحة.

ونصت اتفاقية جنيف الموقعة في 12 أغسطس سنة 1949، على أن جميع الدول ملزمة بحماية المدنيين في أوقات الحروب والصراعات، ومسؤولة عن تجنيب المدنيين والأعيان المدنية أي استهداف خلال الاشتباكات أو القصف أو الاستهداف العسكري.

وصباح اليوم السبت، أطلقت إيران عملية عسكرية حملت اسم "الوعد الصادق 4"، مؤكدة أنها تأتي ردًا على ما وصفته بـ"العدوان الأمريكي" على الأراضي الإيرانية.

ردود فعل عربية

في الإمارات أكدت وزارة الدفاع أن الدفاعات الجوية تعاملت مع الهجوم الإيراني بكفاءة واعترضت عدداً من الصواريخ الباليستية بنجاح، كما أوضحت أن سقوط شظايا على منطقة سكنية في أبو ظبي أسفر عن أضرار مادية ووفاة شخص من الجنسية الآسيوية، في حين أكدت أن الوضع الأمني تحت السيطرة ومتابع على مدار الساعة.

واعتبرت الوزارة أن استهداف الأعيان المدنية والمنشآت الوطنية تصعيد خطير وانتهاك صارخ للسيادة الوطنية وللقانون الدولي، مؤكدة احتفاظ بلادها بحقها الكامل في الرد على هذا التصعيد واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها وسكانها ومصالحها، مشيرة إلى جاهزيتها للتعامل مع أي تهديدات.

وقال أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة إن بلاده بذلت جهوداً كبيرة ومخلصة لتفادي الحرب، ونبهت إلى مخاطرها على المنطقة واستقرارها. 

وأوضح قرقاش: "إذ ندين هذه الهجمات السافرة، ومع تصاعد تداعياتها على دول الخليج العربي، تعمل منظوماتنا الداخلية باستعداد عالٍ وكفاءة راسخة لحماية الوطن والمجتمع (..) أولوياتنا هي الإمارات واستقرارها وأمنها وسلامة أراضيها وكل من يقيم على أرضها".

وفي البحرين أفاد مركز الاتصال الوطني بالمملكة تعرض مواقع ومنشآت داخل حدود البلاد لاعتداءات أطلقت من خارج أراضيها، واصفاً ذلك بأنه "انتهاك سافر لسيادة المملكة وأمنها الوطني".

وباشرت الجهات الأمنية والعسكرية المختصة بالبحرين تنفيذ خطط الطوارئ المعتمدة، واتخاذ الإجراءات الميدانية اللازمة للتعامل مع التطورات، ما يضمن حماية المنشآت الحيوية وسلامة المواطنين والمقيمين.

تهديد الأمن والاستقرار

اعتبرت دولة قطر أن هذا الاعتداء انتهاك صارخ لسيادتها الوطنية ومساس مباشر بأمنها وسلامة أراضيها، وتصعيد مرفوض يهدد أمن واستقرار المنطقة، معلنة احتفاظها بحقها الكامل في الرد على هذا الاعتداء، وفقًا لأحكام القانون الدولي.

وقالت وزارة الخارجية القطرية إن بلادها كانت من أوائل الداعين إلى الحوار مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسعت باستمرار إلى تغليب الحلول السلمية وتيسير التفاهمات مع المجتمع الدولي، وجددت دعوتها إلى الوقف الفوري لأي أعمال تصعيدية، والعودة إلى طاولة الحوار، وتغليب لغة العقل والحكمة، ما يحول دون اتساع دائرة المواجهة في المنطقة.

ومن جانبها أعلنت دولة الكويت أن دفاعاتها قامت بالتصدي بنجاح لهذا العدوان وفق الإجراءات العملياتية المعتمدة وبما يتوافق مع قواعد الإشتباك المعمول بها، مضيفة أن استمرار هذه الأعمال العسكرية العدوانية التي تشهدها المنطقة من شأنه أن يقوض الأمن والإستقرار الإقليمي.

وأكدت وزارة الخارجية الكويتية حق بلادها الكامل والأصيل في الدفاع عن نفسها بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؛ رداً على هذا العدوان السافر بما يتناسب مع حجم وشكل هذا الإعتداء وبما يتوافق مع القانون الدولي، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها وشعبها والمقيمين فيها، ما يضمن صون سيادتها وأمنها واستقرارها.

وذكرت وكالة الأنباء الأردنية “بترا” أن الجيش الأردني أسقط صاروخين إيرانيين استهدفا الأراضي الأردنية، مشيرة إلى أن أنظمة الدفاع الجوي تصدت لهما بنجاح.

وأعربت السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن عن إدانتها واستنكارها بأشد العبارات هذا "الاعتداء الإيراني الغاشم" الذي يمثل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار في المنطقة، مع تأكيد الاحتفاظ بحقها الكامل في الرد واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية الأمن الوطني وصون السيادة، محذرة من العواقب الوخيمة لانتهاك مبادئ القانون الدولي.

الهجمات الإيرانية

في المقابل أعلن الحرس الثوري الإيراني، في بيان رسمي، بدء عملية عسكرية أطلق عليها اسم "الوعد الصادق 4"، قال إنها جاءت رداً على ما وصفه بـ"العدوان الأمريكي" على الأراضي الإيرانية. 

وأفاد البيان بأن صواريخ ومسيرات تابعة له استهدفت مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في البحرين، إضافة إلى قواعد أمريكية في كل من قطر والإمارات، ومراكز عسكرية وأمنية في "قلب الأراضي المحتلة"، واصفاً الضربات بأنها "شديدة".

وفي بيان آخر أكد الحرس الثوري الإيراني أن المرحلة الأولى من العملية نُفذت عبر "هجمات واسعة النطاق" شنتها القوات المسلحة الإيرانية على أهداف إقليمية، مؤكداً استمرار الهجمات الصاروخية والمسيرة.

مرفوض إنسانياً وقانونياً

من جانبها قالت المحللة السياسية المتخصصة في الشأن الإيراني، منى سيلاوي، في حديث لـ"جسور بوست"، إن استهداف المدنيين في دول الخليج والدول العربية "أمر مرفوض إنسانياً وقانونياً"، معتبرة أن طهران لا تبدي التزاماً حقيقياً بقواعد القانون الدولي أو مبادئ حسن الجوار، ولا حتى بالقيم الدينية التي تحرم الاعتداء على الأبرياء. 

وربطت سيلاوي بين ما يجري خارج الحدود وما يحدث داخل إيران، متسائلة: “إذا كان النظام قد استخدم العنف المفرط ضد شعبه خلال الاحتجاجات، فهل يُنتظر منه أن يُظهر حرصاً على سلامة المدنيين في دول أخرى؟”

وفيما يتعلق بتبرير استهداف القواعد العسكرية، أوضحت سيلاوي أن مشروعية أي هدف عسكري تظل مشروطة بوجود حالة حرب فعلية، وهو ما لا ينطبق -بحسب قولها- على علاقة إيران بدول الخليج. 

كما أشارت إلى أن الهجمات، وفق المعطيات المتداولة، لم تنطلق من تلك القواعد، ما يضعف حجج الاستهداف ويعزز المخاوف من توسيع دائرة الصراع دون مبرر قانوني واضح.

واعتبرت أن التحركات الإيرانية تحمل رسائل ضغط إلى دول الجوار لدفعها إلى التدخل لدى الولايات المتحدة لاحتواء المواجهة، في ظل ما وصفته بتهديد وجودي تواجهه طهران.

لكنها رأت أن هذه السياسة القائمة على التهديد والتصعيد تزيد من عزلة إيران إقليمياً ولا تدفع الدول العربية إلى الاصطفاف معها، بل تعمّق فجوة الثقة وتؤسس لمزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

تواجه تهديداً وجودياً

وقال المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني، وجدان عفراوي، في تصريح لـ"جسور بوست"، إن استهداف إيران لدول الخليج يمثل "خطأً فادحاً في حساباتها"، مؤكداً أن الضربات التي طالت مناطق آمنة تثير قلقاً إنسانياً واستراتيجياً على حد سواء. 

وأوضح عفراوي أن الهدف الإيراني يكمن في الضغط على دول الخليج، المزود الرئيسي للطاقة عالمياً، ومحاولة تهديد أمن الطاقة العالمي، مع اعتقاد خاطئ بأن هذه الدول لن ترد على الاعتداءات.

وأشار عفراوي إلى أن الضربات لم تستهدف بشكل مباشر المواقع العسكرية الأمريكية التي كان بالإمكان استهدافها في تركيا أو أذربيجان، ما يعكس "تناقضاً واستهتاراً" من جانب طهران. 

وأضاف أن النظام الإيراني أخطأ في تقدير رد الفعل الأمريكي، إذ اعتقد أن الضربة ستكون محدودة، في حين تشير المعطيات الحالية إلى احتمال تحولها إلى مواجهة أوسع أو حرب شاملة، لافتاً إلى تصريحات الرئيس الأمريكي والرئيس الإسرائيلي التي تؤكد أن إيران تواجه تهديداً وجودياً قد يؤدي إلى سقوط النظام.

وأوضح عفراوي الخطأ الثاني للنظام الإيراني، والمتمثل في الاعتداء على الدول العربية التي بذلت جهوداً دبلوماسية وسياسية لمنع التصعيد، ومنها التعامل الاقتصادي رغم العقوبات الدولية. 

واعتبر أن هذا السلوك سيكلف إيران الكثير، إذ قد تفقد حلفاءها وداعميها، متوقعًا أن تصدر دول شقيقة، مثل المملكة العربية السعودية ومصر، مواقف مشابهة تدين الاعتداءات وتحذر من تبعاتها على الأمن والاستقرار الإقليمي.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية