نساء الأهواز في إيران.. معاناة مضاعفة بين نيران الحرب والتمييز المُركب
نساء الأهواز في إيران.. معاناة مضاعفة بين نيران الحرب والتمييز المُركب
في الجنوب الغربي من إيران تعيش نساء الأهواز يوميات ثقيلة لا يشبهها سوى حجم معاناتهن، فهناك في إقليم الأهواز لا تأتي الأوجاع فرادى، بل معقدة ومركبة، إذ يُضاف إلى إرث التهميش القومي والتمييز الجندري شبح حرب يقترب بأصدائه، ليعمق الجراح ويزيد الواقع قسوة وتعقيداً.
حين يتصاعد التوتر العسكري في المنطقة، تتحول المدن الحدودية إلى خرائط قلق وألم، فصفارات الإنذار ليست مجرد أصوات عابرة، بل إعلان دائم بأن الحياة قابلة للتوقف في أي لحظة، غير أن نساء الأهواز لا يواجهن فقط خوف الحرب، بل أيضاً هشاشة مزمنة صنعتها عقود من التهميش القومي واللغوي والاقتصادي.
وفي زمن الحرب، تتراجع الأولويات الرسمية لمصلحة الأمن والعسكرة، ومع هذا التراجع تصبح قضايا المساواة والحقوق الثقافية أكثر هشاشة وأكثر عرضة للكسر، والنساء الأهوازيات، بوصفهن عربيات في دولة ذات غالبية فارسية، يعانين من تمييز لغوي وثقافي ينعكس على فرص التعليم والعمل والصحة والمشاركة السياسية، بخلاف التمييز القائم على النوع الاجتماعي، ما يضاعف الفجوة العميقة.
واقتصاديًا، يُعد الإقليم من أغنى مناطق البلاد بالموارد الطبيعية، لكنه من أكثرها معاناة في مؤشرات الفقر والبطالة، وفي القرى المحيطة بالمدن النفطية، تعمل نساء في مهن غير رسمية، بلا ضمانات وبأجور متدنية.
تهميش ثقافي وتعليمي
ومع كل تصعيد عسكري تشده إيران، ترتفع الأسعار وتضيق سبل الرزق، فتتحول النساء، خصوصاً في إقليم الأهواز، إلى خط الدفاع الأول عن الأسرة، حيث يقتصدن في الطعام ويؤجلن العلاج ويبذلن جهوداً مضنية لتوفير الأمان والحماية لأطفالهن.
وفي المجال التعليمي، تبرز معاناة أخرى، فغياب التعليم باللغة الأم في المراحل الأساسية يخلق فجوة مبكرة لدى كثير من الفتيات، تدفع بعضهن إلى التسرب من المدرسة، وفي أوقات التوتر الأمني قد تُغلق المدارس أو تتحول إلى مراكز إيواء، لتجد الفتاة نفسها محاصرة بين الخوف من الخارج وضيق الخيارات في الداخل.
وتضاعف الحرب من تكريس مناخ الطوارئ، وتشديد الرقابة، وتضييق مساحة التعبير، ويصبح الحديث عن الحقوق الثقافية أو التهميش الاقتصادي أقرب إلى مخاطرة، والنساء، بحكم دورهن الاجتماعي، يتأثرن مباشرة بهذه القيود، فهن الأقل قدرة على التنقل، والأكثر عرضة للضغوط الاجتماعية.
في لحظة تتداخل فيها نيران الحرب مع آثار التمييز المتراكم، تصبح المرأة الأهوازية شاهدة على طبقات متعددة من الألم، إذ يزداد الاحتياج إلى سلام يعترف بالتنوع ويضمن العدالة ويكفل للنساء حقهن في حياة آمنة وكريمة وعادلة.
تحول الحقوق إلى مسألة مؤجلة
في سبتمبر 2023 انتُخبت الناشطة السياسية الأهوازية منى سيلاوي أميناً عامّاً لـحزب التضامن الديمقراطي الأهوازي خلال مؤتمره الخامس في لندن، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الحزب، في خطوة وصفتها "إيران إنترناشيونال" بأنها سابقة في مسار النشاط السياسي المرتبط بالقضية الأهوازية.
وتنتمي سيلاوي إلى عائلة معارضة، وقد عانى والدها من السجن في إيران، وهي تتهم السلطات بطمس الهوية العربية في الإقليم، لكن حديثها الجريء لم يتوقف عند السياسة بوصفها صراعاً على السلطة، بل يمتد إلى الإنسان بوصفه جوهر القضية.
في تصريحاتها لـ"جسور بوست" تؤكد سيلاوي أن المرأة الأهوازية، في ظل ظروف الحرب الراهنة، لا يختلف حالها كثيراً عن حال النساء في مناطق النزاع، إذ تصبح حقوق المرأة مسألة مؤجلة أمام أولوية البقاء.
تقول إن "العنف يتضاعف في أوقات الحرب، في حين تتقلص فرص الشكوى والإنصاف، خاصة في حالات العنف الأسري، حيث يغيب الصوت وتضيق المساحات الآمنة".
معوقات لغوية واجتماعية
وتلفت منى سيلاوي إلى خصوصية معاناة المرأة الأهوازية التي تواجه إلى جانب التحديات العامة معوقات لغوية وثقافية، فبعض النساء، حين يلجأن إلى المحاكم، لا يُتقنّ اللغة الفارسية، وهو ما يعمق شعور العزلة ويعقد مسار التقاضي، وتُرجع ذلك إلى مظاهر تمييز اجتماعي قد تحرم الفتاة أحياناً من استكمال تعليمها.
ورغم أن عدد المتعلمات من النساء الأهوازيات كبير، تشير سيلاوي إلى استمرار التمييز في فرص العمل، خصوصاً في المؤسسات الحكومية، وتستشهد بحالات تم فيها توظيف وافدات في قطاع التعليم بدلاً من كوادر محلية، معتبرة أن هذه الوقائع تعكس فجوة قائمة في تكافؤ الفرص.
وترى أن الحديث عن حقوق المرأة في أجواء الحرب يبدو في نظر كثيرين ترفاً مؤجلاً، فالناس تبحث أولاً عن الأمان والغذاء والنجاة، وتعرب عن أسفها لأن النساء والأطفال هم الأكثر تضررًا في مثل هذه الظروف، في حين تتراجع الأنشطة المرتبطة بحقوق المرأة، حتى الفعاليات المعتادة كإحياء اليوم العالمي للمرأة، أمام ضغوط الواقع.
ورغم هذا المشهد القاتم، تؤكد سيلاوي أن الأوضاع في إيران بلغت مرحلة مفصلية، محذرة من أن انتهاء الحرب دون تغيير سياسي قد يعني تشديد القبضة الأمنية وانكماش مساحات الحريات بصورة أوسع، وبرأيها فإن الأفق الإيجابي يظل مرهوناً بقيام نظام يحترم حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، ويعيد الاعتبار لكرامة الإنسان دون تمييز.
إعادة تشكيل الهوية الوطنية
بدوره قال المحلل السياسي الأهوازي وجدان عفراوي إن الشعب العربي الأهوازي في الإقليم الواقع ضمن الدولة الإيرانية المعاصرة يعيش أوضاعاً سياسية واجتماعية معقدة تعود جذورها إلى مرحلة تأسيس الدولة المركزية الحديثة عام 1925 في عهد رضا شاه بهلوي.
وأوضح عفراوي لـ"جسور بوست" أن بسط السيطرة على الإقليم آنذاك ترافق مع سياسات هدفت إلى تعزيز المركزية وإعادة تشكيل الهوية الوطنية وفق رؤية الدولة الجديدة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على المكونات غير الفارسية، ومنها العرب في الأهواز.
وأشار عفراوي إلى أن تلك المرحلة شهدت إجراءات قسرية، شملت نقل عدد من شيوخ العشائر والوجهاء المحليين إلى مناطق داخلية، في إطار تقويض البنى التقليدية للسلطة المحلية، إلى جانب محاولات إعادة هندسة المجال الثقافي والاجتماعي، من خلال فرض أنماط موحدة وتقليص حضور اللغة العربية في الفضاء العام، ضمن مشروع الدولة القومية المركزية السائد آنذاك.
وأضاف أن النزعة المركزية استمرت خلال عهد محمد رضا شاه بهلوي (1941–1979)، وإن اختلفت أدواتها، حيث ركزت السلطة على تحديث الدولة وتعزيز الهوية الوطنية الإيرانية، غير أن ذلك -بحسب العديد من القراءات النقدية- ترافق مع استمرار تهميش بعض المكونات القومية في مجالات الإدارة المحلية والمشاركة السياسية والتمثيل في المناصب العليا، فضلاً عن محدودية فرص التنمية المتكافئة في بعض المناطق، ومنها الأهواز.
كما وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية، حالات اعتقال وإعدام وقمع سياسي طالت ناشطين من خلفيات قومية مختلفة خلال تلك الحقبة.
معاناة بنيوية وتاريخية
وبين عفراوي أنه بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979 بقيادة روح الله الخميني، شهدت بعض مناطق الأهواز توترات أمنية وسياسية، من أبرزها أحداث مدينة المحمرة، التي سقط خلالها عدد كبير من الضحايا في سياق المواجهات بين السلطة المركزية وبعض القوى المحلية، ومنذ ذلك الحين، ظل ملف القوميات في إيران، ومنها العرب الأهوازيون، مرتبطاً بإشكاليات بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة المركزية وحدود الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أكد عفراوي أن معاناة المرأة العربية في الأهواز لا تنفصل عن السياقين العامين وهما السياسات الرسمية والبنى الاجتماعية التقليدية، فهي تواجه تحديات تتعلق بالتنمية والتعليم وفرص العمل، إلى جانب بعض القيود الاجتماعية، ورغم تحولات جزئية في السنوات الأخيرة، لا تزال فجوة التمكين والمشاركة الكاملة قائمة، ما يتطلب -بحسب تعبيره- مقاربات إصلاحية شاملة على المستويين القانوني والاجتماعي.
وفيما يتعلق بدور المجتمعين العربي والدولي، شدد عفراوي على أهمية دعم الحقوق الثقافية والإنسانية للعرب الأهوازيين عبر مبادرات ثقافية وإعلامية وأكاديمية، وتعزيز حضور القضية في الأطر الحقوقية الإقليمية.
وأشار إلى أن الملف يندرج دولياً ضمن إطار حقوق الأقليات داخل الدول متعددة المكونات، مؤكداً أن المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان يمكن أن تضطلع بدور في متابعة الأوضاع، ودعم مبادئ المساواة وعدم التمييز وحقوق المشاركة السياسية والثقافية واللغوية، وفق المواثيق الدولية ذات الصلة.
واختتم تصريحه بتأكيد أن معالجة الإشكالية الأهوازية تتطلب مقاربة مركبة تراعي أبعادها التاريخية والسياسية والحقوقية والاجتماعية بعيداً عن التبسيط وبما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان ويضمن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية دون تمييز.











