الأسعار خارج قدرة المستهلك.. كيف يغير الغلاء في رمضان ملامح الحياة السورية؟

الأسعار خارج قدرة المستهلك.. كيف يغير الغلاء في رمضان ملامح الحياة السورية؟
مواطن سوري يطالع الأسعار في أحد المتاجر

مع حلول شهر رمضان الذي يرتبط تقليدياً بزيادة الاستهلاك وتحسن الحركة التجارية، يجد السوريون أنفسهم أمام واقع مختلف، حيث تتصاعد الأسعار بوتيرة متسارعة تتجاوز قدرة شريحة واسعة من السكان، ففي أسواق دمشق وعدد من المحافظات لم يعد الغلاء مجرد ظاهرة موسمية، بل تحول إلى أزمة معيشية متفاقمة تعكس تعقيدات اقتصادية عميقة، تتداخل فيها العوامل المحلية مع تداعيات إقليمية ودولية.

تصاعد غير مسبوق في الأسعار

تشير البيانات الميدانية بحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى ارتفاعات متسارعة شملت معظم السلع الأساسية، من الخضروات إلى اللحوم ومنتجات الألبان، فقد سجلت أسعار الفروج زيادة تجاوزت 30% خلال أقل من شهر، في حين ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء بنسب ملحوظة، مع وصول بعض الأصناف إلى مستويات يصعب على الأسر تحملها، كما ارتفعت أسعار الألبان ومشتقاتها بنسبة تراوحت بين 10 و20%، وهو ما ضاعف الأعباء اليومية على المستهلكين في سوريا.

أما الخضروات التي تعد مكوناً أساسياً في المائدة الرمضانية، فقد شهدت بدورها ارتفاعات لافتة، حيث بلغ سعر كيلو البندورة 120 ليرة، والخيار 150 ليرة، والكوسا 210 ليرة، في مؤشرات تعكس ضغطاً متزايداً على سلة الغذاء اليومية.

تراجع القدرة الشرائية

في مقابل هذه الزيادات، لم تشهد الدخول تحسناً موازياً، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، وتظهر تقديرات اقتصادية أن نسبة كبيرة من السوريين باتت تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء فقط، في ظل تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم.

وتشير تقارير صادرة عن برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من نصف السكان في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يجعل أي زيادة إضافية في الأسعار تهديداً مباشراً لقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، خاصة خلال شهر رمضان الذي تتزايد فيه متطلبات الإنفاق.

تشير البيانات الاقتصادية الصادرة عن جهات دولية ومحلية إلى أن أزمة الغلاء في سوريا خلال شهر رمضان تأتي امتداداً لتدهور طويل في المؤشرات المعيشية، حيث يقدّر برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من 12.4 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في حين يعيش نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، كما سجّل معدل التضخم مستويات مرتفعة خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع حاد في قيمة الليرة السورية التي فقدت أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011، إذ ارتفع سعر صرف الدولار من نحو 50 ليرة قبل الحرب إلى ما يقارب 11000 ليرة في 2025 .

وفي السياق ذاته تشير تقديرات أممية إلى أن تكلفة السلة الغذائية الأساسية ارتفعت عدة أضعاف مقارنة بمتوسط الدخل الشهري، ما جعل القدرة الشرائية للأسر في أدنى مستوياتها، خاصة خلال المواسم الاستهلاكية مثل رمضان، حيث يزداد الطلب على الغذاء بنسبة ملحوظة دون أن يواكبه تحسن في الدخول، الأمر الذي يعمّق الفجوة بين الأسعار وقدرة المواطنين على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

أسباب متعددة ومتداخلة

يرتبط ارتفاع الأسعار في سوريا بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة الأعلاف والنقل، إضافة إلى نقص المحروقات الذي ينعكس على مختلف حلقات سلسلة التوريد، كما تسهم تقلبات سعر الصرف في زيادة كلفة الاستيراد، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار النهائية للمستهلك.

من جهة أخرى، تلعب الظروف الأمنية والإقليمية دوراً في تعقيد المشهد الاقتصادي، فالتوترات في المنطقة، واحتمالات تعطل طرق التجارة، تثير مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأسواق المحلية.

كما أن سنوات من النزاع المستمر منذ عام 2011 أدت إلى تراجع الإنتاج المحلي، وتضرر البنية التحتية، ما جعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام أي صدمات خارجية.

محاولات حكومية محدودة

في مواجهة هذه الأزمة تطرح الحكومة السورية خططاً لتحديد أسعار بعض السلع الأساسية، مثل اللحوم والفروج ومنتجات الألبان، إلا أن فعالية هذه الإجراءات تبقى محل تساؤل، في ظل عدم معالجة الأسباب الجذرية لارتفاع الأسعار، مثل تكاليف الإنتاج المرتفعة وضعف الرقابة على الأسواق.

ويشير مراقبون إلى أن ضبط الأسعار دون دعم المنتجين قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها تراجع العرض أو انتشار السوق السوداء، ما يزيد من تعقيد الأزمة.

تداعيات إنسانية متزايدة

لا تقتصر آثار الغلاء على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية واجتماعية واسعة، فمع تراجع القدرة الشرائية، تضطر العديد من الأسر إلى تقليص وجباتها أو الاستغناء عن بعض المواد الغذائية الأساسية، ما يؤثر في جودة التغذية، خاصة لدى الأطفال.

كما يتزايد الضغط النفسي على الأسر التي تجد نفسها عاجزة عن تلبية احتياجاتها خلال شهر يحمل طابعاً اجتماعياً خاصاً، حيث ترتبط فيه العادات الغذائية بالتقاليد والتجمعات العائلية.

وتحذر منظمات مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف من أن تدهور الأوضاع المعيشية في سوريا يؤثر بشكل مباشر في الأطفال، سواء من حيث التغذية أو الصحة أو الاستقرار النفسي، خاصة في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية.

الموقف الحقوقي والدولي

أثارت الأوضاع الاقتصادية في سوريا اهتماماً متزايداً من المنظمات الدولية، حيث تؤكد الأمم المتحدة أن الأزمة المعيشية في البلاد تمثل أحد أخطر التحديات الإنسانية في العالم، مع الحاجة إلى دعم عاجل ومستدام لتأمين الغذاء والخدمات الأساسية.

كما تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة قد تؤدي إلى انتهاك حقوق أساسية، مثل الحق في الغذاء والعيش الكريم، خاصة عندما تصبح السلع الأساسية خارج متناول شريحة واسعة من السكان.

من جانبها، تدعو هيومن رايتس ووتش إلى اتخاذ إجراءات تضمن وصول المساعدات الإنسانية دون معوقات، وتحسين الظروف الاقتصادية بما يحفظ كرامة السكان، مع التركيز على الفئات الأكثر هشاشة.

جذور الأزمة

تعود جذور الأزمة الاقتصادية في سوريا إلى سنوات طويلة من النزاع الذي أدى إلى تدمير قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، إضافة إلى نزوح ملايين السكان. كما أسهمت العقوبات الاقتصادية في زيادة الضغوط على الاقتصاد، ما انعكس على الأسعار ومستويات المعيشة.

ومع مرور الوقت أصبح الاقتصاد السوري يعتمد بشكل متزايد على الاستيراد، ما يجعله أكثر تأثراً بتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، فضلاً عن التوترات الإقليمية.

رمضان في ظل الأزمة

في ظل هذه المعطيات، يفقد شهر رمضان الكثير من ملامحه التقليدية في سوريا، حيث تتحول موائد الإفطار إلى عبء اقتصادي، وتصبح الأولويات مرتبطة بتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات.

وبينما تستمر الأسواق في تسجيل ارتفاعات جديدة، يبقى المواطن السوري في مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي معقد، تتداخل فيه الأزمات المحلية مع التحديات الإقليمية، ما يجعل مسألة تأمين الغذاء خلال شهر رمضان اختباراً يومياً لقدرة الأسر على الصمود في ظل ظروف متغيرة وصعبة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية