بسبب الحرب في الشرق الأوسط.. اضطرابات الأسمدة تهدد الأمن الغذائي العالمي
بسبب الحرب في الشرق الأوسط.. اضطرابات الأسمدة تهدد الأمن الغذائي العالمي
تتصاعد المخاوف العالمية من تأثير الاضطرابات الأخيرة بمنطقة الخليج في الأمن الغذائي العالمي، حيث يواجه المزارعون في آسيا وإفريقيا وأوروبا صعوبة متزايدة في الحصول على الأسمدة الأساسية لإنتاج الغذاء.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز تُبين الحقائق الاقتصادية أن أي اضطراب في هذا الإقليم لا يمثل أزمة محلية، بل اعتداء غير مباشر على "الحق في الغذاء" في شتى بقاع الأرض؛ نظراً لكون المنطقة مصدراً رئيسياً للأسمدة النيتروجينية التي هي في جوهرها غاز طبيعي مُعاد تشكيله ليصبح مغذيات نباتية.
ارتفاع الأسعار والتكلفة
ونقلت الصحيفة عن نائب رئيس قسم معلومات السوق والأسعار في مجموعة CRU، كريس لوسون، أن توقف وصول الأسمدة المنتجة في دول الخليج قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء، ما يهدد حقوق ملايين الأشخاص في الوصول إلى الغذاء الكافي بأسعار معقولة.
وأشار لوسون إلى أن المنطقة تعتمد على موارد الطاقة، مثل النفط والغاز الطبيعي، لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، والتي تشكل عنصراً أساسياً في زراعة نصف الإمدادات الغذائية العالمية، ومع توقف تصدير هذه الأسمدة بسبب تعطّل الموانئ والممرات البحرية الحيوية، أصبح الوصول إلى الغذاء أمراً يواجه تحديات جسيمة، خصوصًا في الدول النامية التي تعتمد على الاستيراد لسد احتياجاتها.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن توقف حركة الملاحة البحرية وارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع تكاليف إنتاج الأسمدة، ما يضغط على المزارعين لتقليل استخدام الأسمدة، ويؤدي إلى انخفاض إنتاجية الحبوب والخضروات، وبالتالي زيادة أسعار الغذاء على المستهلكين في الأسواق المحلية والدولية، وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز".
كما نقلت "نيويورك تايمز" عن سارة مارلو، المحررة العالمية لشؤون الأسمدة في "أرجوس ميديا"، أن الأزمة الحالية قد تكون أكثر حدة من الأزمات السابقة، مثل الأزمة التي تسببت بها الحرب الروسية-الأوكرانية.
وقالت: "الكميات التي توقفت عن الوصول للأسواق العالمية هذه المرة كبيرة؛ بسبب اعتماد مجموعة واسعة من الدول على مضيق هرمز لتصدير الأسمدة".
وأظهرت بيانات الرابطة الدولية للأسمدة أن خمس دول خليجية رئيسية -إيران، المملكة العربية السعودية، قطر، الإمارات العربية المتحدة، والبحرين- تمثل نحو ثلث تجارة اليوريا العالمية، وربع إنتاج الأمونيا، وخمس إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.
وقالت مديرة استخبارات السوق في الرابطة الدولية للأسمدة، لورا كروس: "الأسواق العالمية في وضع حرج، ولا أحد يعلم إلى متى سيستمر هذا الوضع، رغم وجود مخزون احتياطي".
الفئات الضعيفة
ونقلت "فايننشال تايمز" عن خبير أنظمة الغذاء في جامعة تكساس، راج باتيل، أن ارتفاع أسعار الأسمدة ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء، ما يزيد العبء على الفئات الفقيرة، ويهدد حقوقها الأساسية في الحصول على غذاء آمن ومغذٍ.
وأشار إلى أن الهند، على سبيل المثال، تستورد نحو 40% من احتياجاتها من الأسمدة من دول الخليج، ما يجعلها الأكثر عرضة للصدمات الاقتصادية في حال استمرار الأزمة.
وأظهرت بيانات حديثة أن أسعار اليوريا في مصر ارتفعت بنسبة 37% خلال أسبوع واحد، من 485 دولارًا للطن إلى 665 دولارًا، في حين ارتفعت العقود الآجلة للأمونيا في أوروبا بنسب مماثلة.
وأدى ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع قيمة الدولار الأمريكي إلى زيادة تكلفة الأسمدة المستوردة، ما يزيد الأعباء على الدول ذات الدخل المنخفض ويضع الحقوق الاقتصادية للمزارعين والمستهلكين تحت ضغط شديد
المخاطر التنموية
أكد خبراء مجموعة CRU أن تأخر إمدادات الكبريت، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، يضر بالإنتاج الزراعي في إفريقيا وآسيا، وفقاً لتقرير “نيويورك تايمز”.
وأوضح كريس لوسون أن نحو نصف الكبريت العالمي محجوز حاليًا في الجانب الآخر من مضيق هرمز، ما يزيد من صعوبة تلبية احتياجات المزارعين ويضعف القدرة على تحقيق الأمن الغذائي في المناطق الأكثر هشاشة.
وتنعكس هذه الأزمة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المستوردة، حيث قد تضطر الحكومات إلى زيادة الدعم المالي لشراء الأسمدة، ما يرفع مستويات الدين العام ويقلل الإنفاق على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.
ووفقاً لتقرير موسع نشرته مجلة "الإيكونوميست" يؤثر ذلك بشكل مباشر على حقوق المواطنين في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد من الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في مجال التنمية المستدامة.
وأشار الخبراء إلى أن الأزمة تكشف الحاجة إلى تعزيز استراتيجيات التنمية الزراعية المستدامة، كما شددوا على أن تعزيز التعاون الدولي لتأمين الغذاء بأسعار عادلة يمثل حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان يجب حمايته
تؤكد الأزمة الحالية أن الأمن الغذائي العالمي ليس مجرد مسألة إنتاج، بل هو قضية حقوقية وتنموية واقتصادية، فالحق في الغذاء الكافي والمغذي هو أحد حقوق الإنسان الأساسية، وأي اضطراب في سلاسل الإمداد يهدد هذا الحق، ويؤثر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول الفقيرة والضعيفة.










