زمن العنف والدمار.. حقوق الإنسان والحريات في مرمي نيران الحروب بالشرق الأوسط
زمن العنف والدمار.. حقوق الإنسان والحريات في مرمي نيران الحروب بالشرق الأوسط
في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب مع إطلاق الصواريخ فحسب، ولا يقتصر القصف على استهداف المواقع العسكرية أو حتى الأحياء المدنية، فمع كل تصعيد تشتعل نيران أخرى أقل ضجيجاً لكنها أشد أثراً، تطول الحريات وحقوق الإنسان، حين تتقدم حسابات القوة والسياسة على قيمة الإنسان وكرامته.
وفي المدن التي أنهكتها النزاعات والحروب الممتدة، تصبح قيم ومبادىء حقوق الإنسان هي أول الضحايا، وتتحول الحريات إلى رفاهية مؤجلة في زمن الخوف والدمار الشامل.
ومن قطاع غزة إلى سوريا، مروراً بـاليمن وليبيا والسودان ولبنان والعراق، تتشابه الحكايات رغم اختلاف الجغرافيا، إذ يجد المدنيون أنفسهم في قلب معارك لم يختاروها.
وتتحول البيوت التي تأويهم في لحظة إلى حطام وركام، ويكبر الأطفال على صوت الطائرات بدلاً من أجراس المدارس، ففي هذه المساحات المضطربة لا يكون السؤال عن المنتصر في الحرب، بل عن الخسائر الإنسانية التي تتراكم بصمت في حياة البشر.
فالحروب لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تمتد لتقوض منظومة كاملة من الحقوق الأساسية، أبرزها الحق في الحياة، وفي الأمان، وفي التعليم، وفي الرعاية الصحية، ومع كل جولة تصعيد تتقلص المساحات المتبقية للحرية، ويزداد التضييق على الصحافة والمجتمع المدني ومجال العمل العام، تحت مبررات الأمن القومي ومتطلبات الحرب.
ومع اتساع رقعة التوترات الإقليمية، خاصة مع تصاعد المواجهات غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، وتداخل أدوار قوى دولية مثل الولايات المتحدة، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة دورة جديدة من الاضطرابات وعدم الاستقرار، وفي مثل هذه اللحظات، يصبح مستقبل الحقوق والحريات أكثر هشاشة وتراجعاً وانحساراً.
غير أن أخطر ما تتركه الحروب ربما لا يكون الدمار المادي وحده، بل ذلك التآكل البطيء في فكرة العدالة نفسها، فعندما تتكرر الانتهاكات دون مساءلة حقيقية، تتراجع الثقة في منظومة القانون، ويصبح السلام أكثر بعداً؛ لأن السلام الحقيقي لا يقوم فقط على وقف إطلاق النار، بل على استعادة كرامة الإنسان واسترداد حقوقه وحريته.
وفي الشرق الأوسط اليوم، يبدو أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول النفوذ أو الحدود، بل حول قدرة المجتمعات على حماية إنسانيتها وسط العواصف، فحين تُصان الحقوق وتُحترم الحريات، يمكن للسلام أن يجد طريقه، أما حين تبقى حقوق الإنسان في مرمى نيران الحروب، فإن المنطقة تظل أسيرة دائرة لا تنتهي من العنف والمعاناة.
جنوح لفرض القيود
ويرى الحقوقي الدكتور صلاح عبد العاطي أن العالم العربي يواجه موجة متشابكة من الصراعات والنزاعات والتدخلات الدولية والإقليمية، تهدف -وفق تقديره- إلى إضعاف بنية الدولة الوطنية وتفتيت المنطقة، والسيطرة على مواردها، إلى جانب تأجيج الحروب الداخلية والطائفية، وتصاعد ما يُعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس، ما يحد من فرص بناء دول قوية قادرة على حماية أمنها القومي وتعزيز استقرارها.
وأضاف عبد العاطي في تصريح لـ"جسور بوست"، أن المنطقة تقف اليوم أمام تداعيات نوعين من الصراعات، أولها الصراعات الداخلية أو البينية التي تدور داخل الدول أو بينها، والثاني صراعات ذات أبعاد دولية، وفي مقدمتها القضية المرتبطة بـفلسطين، مشيراً إلى أن استمرار هذه النزاعات يجعل الدول تجنح إلى فرض القيود وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن تفضيل القدرات على تحقيق التنمية، إذ تتحول الأولويات من الاستثمار في البناء والتقدم إلى سباق متسارع نحو التسلح، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستقبل الشعوب واستقرارها.
وأشار إلى أن الحالة الفلسطينية تظل مختلفة عن غيرها من الصراعات؛ نظراً لارتباطها بوجود الاحتلال الذي اعتبره السبب الرئيسي في الكوارث الإنسانية والسياسية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، لافتاً إلى أن استقرار فلسطين يمثل جزءاً أساسياً من استقرار المنطقة كلها، وأن التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.
ورأى عبد العاطي أن بعض هذه الصراعات قد تكون قابلة للاحتواء أو التسوية خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى إمكانية التوصل إلى تسويات في أزمات مثل اليمن، وربما في السودان والصومال، إذا ما توفرت الإرادة السياسية وتكثفت الجهود الإقليمية والدولية، ولا سيما أن القاسم المشترك بين كل هذه الأزمات يتمثل في ضرورة العمل الجاد على حماية وتعزيز مفهوم الأمن القومي العربي.
إضعاف الدول الوطنية
وأكد أن تحقيق ذلك يتطلب بناء منظومة أمن قومي عربي أكثر تماسكاً، تقوم على تفعيل آليات التعاون الدفاعي العربي المشترك، وتعزيز التنسيق الاستراتيجي بين الدول العربية ودول الإقليم، ما يضمن حماية المصالح العربية في مختلف المجالات.
كما دعا إلى توظيف أوراق القوة والضغط المتاحة عربياً من أجل إنهاء النزاعات القائمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ما يسهم في الحد من احتمالات العدوان أو التدخلات الخارجية في شؤون الدول العربية.
وعن آفاق المستقبل، حذر عبد العاطي من أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً من الصراعات، في ظل ما وصفه بتصاعد الطموحات التوسعية لدى إسرائيل، والتي -بحسب رأيه- تسعى إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي عبر إضعاف الدول العربية المحيطة، مؤكداً أن التصعيد المتزايد مع إيران قد يفتح الباب أمام مواجهات أوسع قد تمتد آثارها إلى منطقة الخليج، ما قد يهدد سيادة الدول العربية واستقرارها.
وأشار في ختام حديثه إلى أن هذه التوترات المتصاعدة تعكس تعقيدات الدورين اللذين يلعبهما كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، مؤكداً أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لحماية حقوق الشعوب من القمع والانتهاكات، والعمل الجاد على إنهاء الصراعات، وتوجيه الموارد نحو التنمية وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لشعوب ودول المنطقة.
صراعات مركبة
ومن جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية الدكتور سعيد صادق، إن عدداً كبيراً من الدول التي تتصدر ما يمكن وصفه بـ"خرائط الدم" في منطقة تعاني في الأصل من هشاشة بنيوية أو من مظاهر الدولة الفاشلة، مشيراً إلى حالات مثل السودان والصومال واليمن وفلسطين ولبنان وسوريا.
وأضاف صادق، في تصريح لـ"جسور بوست"، أن المنطقة تواجه أزمة مركبة وصراعات متداخلة تلقي بظلالها الثقيلة على حقوق الشعوب وحريتهم، محذراً من أن استمرار هذه الأوضاع سيقود إلى تداعيات إنسانية واقتصادية مدمرة في دول النزاعات.
وأوضح أن هذا الواقع من شأنه أن يولد موجات جديدة من اللجوء والنزوح، مستشهداً بما حدث في الحرب الدائرة في السودان، حيث استقبلت مصر وحدها نحو مليون ونصف المليون سوداني حتى العام الماضي.
ولفت إلى أن تداعيات الصراعات لا تقف عند حدود النزوح، بل تمتد إلى تفاقم المجاعات، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، واتساع رقعة الفقر، مشيراً إلى أن الأزمات الإنسانية الممتدة من فلسطين إلى اليمن والسودان تعد من بين الأسوأ على مستوى العالم.
وعلى الصعيد الاقتصادي، حذر صادق من أن استمرار النزاعات قد يؤدي إلى اتساع نطاق الاقتصادات غير المشروعة، مثل التهريب والسيطرة غير القانونية على الموارد، إلى جانب تفكك مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن بعض الدول قد تواجه مخاطر التقسيم، مثل السودان واليمن، مع تصاعد التدخلات الخارجية في ظل ضعف مؤسساتها.
حقوق مهدرة
وأكد صادق أن عدم الاستقرار في دولة ما ينعكس سريعاً على محيطها الإقليمي، مستشهداً بما حدث في ليبيا بعد انهيار مؤسساتها، حيث امتدت تداعيات ذلك إلى دول الجوار مثل تونس ومصر عبر تسلل عناصر متطرفة، في حين يصدّر النزاع في السودان اليوم موجات من اللاجئين، وهو ما يترك آثاراً مباشرة في استقرار المنطقة.
وأشار كذلك إلى تداعيات الصراعات على حركة الملاحة والتجارة الدولية، موضحاً أن إيرادات قناة السويس في مصر تراجعت بشكل ملحوظ، فبعد أن كانت تدر نحو عشرة مليارات دولار سنوياً، انخفضت إلى قرابة أربعة مليارات دولار نتيجة الهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين في البحر الأحمر.
وأضاف صادق أن الحروب تخلف وراءها سلسلة طويلة من المآسي الإنسانية، منها التجويع وقتل المدنيين والنزوح القسري، فضلاً عن حرمان آلاف الشباب من التعليم، وعزا ضعف الدولة في بعض البلدان إلى تنامي نفوذ الميليشيات المسلحة، كما هو الحال في لبنان واليمن والعراق والسودان، وهو ما يقوض سيادة الدولة ويهدد استقرارها.
وفيما يتعلق بالتوترات الإقليمية، أشار إلى أن التصعيد المرتبط بـإيران قد يخلف آثاراً خطيرة، خاصة مع استهداف منشآت النفط والموانئ والمطارات، وهو ما قد يهدد أمن الطاقة العالمي ويؤثر في مصادر دخل ملايين العمال في دول الخليج الذين يعيلون أسرهم.
ورغم قتامة المشهد، يرى صادق أن هناك فرصاً محدودة لتهدئة بعض الصراعات، ففي قطاع غزة، على سبيل المثال، قد تفتح التفاهمات السياسية الباب أمام بدء عملية إعادة الإعمار خلال العام الجاري أو العام المقبل.
كما أشار إلى وجود جهود للحد من نفوذ السلاح خارج إطار الدولة في لبنان، وهو ما قد يتبلور بعد المواجهات الأخيرة، في حين يبقى مسار التهدئة في اليمن مرهوناً بتراجع الأدوار الإقليمية المتداخلة، في حين لا يزال المشهد في السودان غير واضح بسبب التوازن العسكري بين طرفي الصراع، مع استمرار التحديات الأمنية في الصومال.
وشدد صادق في ختام حديثه على أن الأمل في احتواء هذه النزاعات يكمن في تفعيل دور أكثر فاعلية للدبلوماسية العربية المشتركة، إلى جانب إحداث إصلاحات داخلية في بعض الدول المؤثرة في مسار الصراعات، ما يسهم في تخفيف حدة التوترات. وأعرب عن تطلعه إلى أن يشهد العام الحالي تحركات جادة لخفض مستويات العنف، مع تعزيز الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان والتنمية في العالم العربي.











