اغتيال "آمال شمالي" يضاعف مأساة الإعلام في غزة ويرفع حصيلة الضحايا إلى 261 صحفياً

اغتيال "آمال شمالي" يضاعف مأساة الإعلام في غزة ويرفع حصيلة الضحايا إلى 261 صحفياً
الصحفية الفلسطينية الراحلة "آمال محمد شمالي"

أثار اغتيال الصحفية الفلسطينية آمال محمد شمالي موجة واسعة من الإدانات في الأوساط الإعلامية والحقوقية، بعد أن أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الاثنين ارتفاع حصيلة الضحايا من الصحفيين الذين قُتلوا منذ بداية الحرب إلى 261 صحفياً وصحفية.

 وكانت شمالي البالغة من العمر 46 عاماً وتعمل مراسلة لراديو قطر قد قُتلت إثر قصف إسرائيلي استهدف خيام النازحين في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، ويعد هذا الرقم من أعلى الأرقام المسجلة لضحايا الصحافة في نزاع مسلح واحد خلال العصر الحديث، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإعلامي داخل القطاع.

استهداف خيام النازحين

وقعت الحادثة قبيل منتصف الليل عندما استهدفت قذائف مدفعية إسرائيلية خياماً للنازحين في منطقة السوارحة غرب الزوايدة، ما أدى إلى مقتل ثلاث فلسطينيات هن الصحفية آمال شمالي والطفلتان نور صالح الشلالفة (17 عاماً) وسلسبيل أنور فراج (12 عاماً)، إضافة إلى إصابة عشرة أشخاص آخرين بجروح متفاوتة نقلوا إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات، ويعكس هذا الحادث استمرار تعرض المناطق المدنية المكتظة بالنازحين للقصف، في ظل تدهور الوضع الإنساني في القطاع واستمرار النزوح الجماعي.

أدان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة استهداف الصحفيين، واعتبر أن مقتل شمالي يأتي في سياق ما وصفه بالاستهداف الممنهج للعاملين في المجال الإعلامي، ودعا المكتب الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب والمؤسسات الإعلامية حول العالم إلى إدانة هذه الجرائم، والعمل على الضغط من أجل حماية الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة، كما طالب المجتمع الدولي بالتحرك لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات أمام المحاكم الدولية المختصة.

الخسائر في صفوف الصحفيين

يمثل مقتل آمال شمالي امتداداً لسلسلة طويلة من الخسائر في صفوف الصحفيين الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب، فبحسب بيانات مؤسسات إعلامية فلسطينية، بلغ عدد الصحفيات اللواتي قُتلن منذ بداية العمليات العسكرية 38 صحفية، وهو رقم يعكس المخاطر الخاصة التي تواجهها النساء العاملات في الصحافة داخل مناطق النزاع. وتوضح هذه الأرقام أن الصحفيات لم يكنّ بعيدات عن الاستهداف رغم عملهن في نقل الأحداث الإنسانية والميدانية.

تنديدات فلسطينية

وأكدت كتلة الصحفي الفلسطيني أن اغتيال شمالي في يوم المرأة العالمي يحمل دلالة مؤلمة على واقع المرأة الفلسطينية التي تواصل العمل الصحفي رغم المخاطر، وأشارت الكتلة إلى أن الصحفية الراحلة كانت جزءاً من منظومة إعلامية تسعى إلى نقل معاناة المدنيين في القطاع، مؤكدة أن استشهادها يرفع عدد شهداء الصحافة إلى 261 منذ بداية الحرب، كما لفتت إلى استمرار اعتقال نحو 22 صحفية فلسطينية في السجون الإسرائيلية، في انتهاك للقوانين الدولية المتعلقة بحرية العمل الصحفي.

من جهته، قال منتدى الإعلاميين الفلسطينيين في بيان إن استهداف الصحفيين يمثل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني الذي ينص على ضرورة حماية المدنيين -ومنهم الصحفيون- أثناء النزاعات المسلحة، وأوضح المنتدى أن قتل الصحفيين يشكل محاولة لإسكات الصوت الفلسطيني ومنع توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في قطاع غزة، ودعا المنتدى المؤسسات الدولية إلى التحرك العاجل لضمان حماية الطواقم الإعلامية.

قلق دولي

أثار ارتفاع عدد ضحايا الصحفيين في غزة قلقاً متزايداً لدى المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة، فقد أظهرت تقارير صادرة عن الاتحاد الدولي للصحفيين ومنظمات حقوقية أن الحرب الحالية سجلت واحدة من أعلى نسب استهداف الصحفيين في النزاعات المعاصرة، وتشير بيانات هذه المؤسسات إلى أن الصحفيين العاملين في مناطق النزاع غالباً ما يواجهون مخاطر القصف والاعتقال والتهديد، إلا أن الأرقام المسجلة في غزة تعد استثنائية مقارنة بنزاعات أخرى خلال العقود الأخيرة.

إلى جانب الخسائر البشرية، تعكس هذه التطورات حجم التحديات التي تواجه العمل الصحفي في غزة، فالكثير من الصحفيين يعملون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، تشمل انقطاع الكهرباء والاتصالات، ونقص المعدات، إضافة إلى النزوح المستمر، كما تعرضت عشرات المؤسسات الإعلامية في القطاع للقصف أو التدمير خلال العمليات العسكرية، ما أدى إلى تقليص قدرة وسائل الإعلام المحلية على العمل بشكل طبيعي.

وفي سياق أوسع، تشير الإحصاءات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن العمليات العسكرية الأخيرة أدت إلى مقتل 648 شخصاً منذ العاشر من أكتوبر الماضي نتيجة خروقات وقف إطلاق النار، بينهم 200 طفل و85 امرأة و22 مسناً، وتشير هذه البيانات إلى أن الفئات الأكثر ضعفاً تشكل أكثر من 46 في المئة من الضحايا، وهو ما يعكس التأثير الواسع للعمليات العسكرية على المدنيين في القطاع.

كما بلغ عدد المصابين خلال الفترة نفسها 1721 جريحاً، بينهم 518 طفلاً و343 امرأة و90 مسناً، ما يشير إلى استمرار ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وتوضح هذه الأرقام أن الأطفال والنساء يشكلون نسبة كبيرة من المصابين، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الإنساني في قطاع غزة الذي يعاني أصلاً من انهيار النظام الصحي نتيجة الحرب.

وارتفعت حصيلة عدوان الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة بحسب بيانات وزارة الصحة اليوم الإثنين إلى 72,133 شهيداً و171,826 مصاباً منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023.

الصحفيون في مناطق النزاع

يشير خبراء القانون الدولي إلى أن الصحفيين يتمتعون بحماية خاصة بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، حيث يُعتبرون مدنيين طالما لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية، وتنص المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على ضرورة حماية الصحفيين العاملين في مناطق النزاع، ويؤكد خبراء أن أي استهداف متعمد للصحفيين قد يشكل جريمة حرب إذا ثبت أنهم لم يكونوا يشاركون في القتال.

تاريخياً، شهدت النزاعات المسلحة حول العالم استهدافاً متكرراً للصحفيين، إلا أن المنظمات الدولية المعنية بحرية الإعلام تحذر من أن تصاعد هذه الظاهرة يقوض قدرة وسائل الإعلام على توثيق الانتهاكات ونقل الحقيقة، وترى هذه المؤسسات أن حماية الصحفيين تعد جزءاً أساسياً من حماية الحق في الوصول إلى المعلومات خلال النزاعات، وفق منظمة مراسلون بلا حدود.

أمام هذا الواقع، دعت المؤسسات الصحفية الفلسطينية والمنظمات الحقوقية الدولية إلى فتح تحقيقات مستقلة في مقتل الصحفيين في غزة، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة للقانون الدولي، كما طالبت بتوفير حماية دولية للطواقم الإعلامية وضمان حرية عملها في مناطق النزاع، باعتبارها جزءاً من الجهود الرامية إلى حماية المدنيين وتوثيق الانتهاكات الإنسانية.

في ظل استمرار الحرب وتزايد المخاطر الميدانية، يواجه الصحفيون في غزة تحدياً مزدوجاً يتمثل في أداء واجبهم المهني في نقل الحقيقة، وفي الوقت نفسه محاولة النجاة في بيئة أمنية شديدة الخطورة، ويشير مراقبون إلى أن الأرقام المرتفعة لضحايا الصحافة في القطاع تعكس طبيعة الحرب الدائرة وتأثيرها العميق في مختلف جوانب الحياة، ومنها العمل الإعلامي الذي يمثل أحد أهم مصادر توثيق الأحداث والوقائع في النزاعات المسلحة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية