الصحافة الأفغانية تحت الحصار.. 86% من الصحفيات فقدن وظائفهن منذ عودة طالبان
الصحافة الأفغانية تحت الحصار.. 86% من الصحفيات فقدن وظائفهن منذ عودة طالبان
تعيش الصحافة في أفغانستان واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود، في ظل قيود متزايدة على حرية الإعلام وتراجع كبير في أعداد الصحفيات العاملات في المجال الإعلامي، وأظهر تقرير صادر عن مركز حرية التعبير أن 86 في المئة من الصحفيات الأفغانيات فقدن وظائفهن منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021، حيث لم يعد يعمل في وسائل الإعلام سوى نحو 190 صحفية فقط، مقارنة بنحو ألفي امرأة كن يعملن في المؤسسات الإعلامية قبل سيطرة الحركة، ويعكس هذا التراجع الحاد تحولات عميقة في المشهد الإعلامي الأفغاني الذي كان قد شهد نمواً ملحوظاً خلال العقدين السابقين.
تحديات وقيود داخلية وخارجية
تشير تقارير مركز حرية التعبير ومنظمات دعم الصحفيين إلى أن الصحفيات اللائي بقين في العمل يواجهن تحديات متزايدة تشمل القيود المهنية والرقابة الأمنية، إضافة إلى خطر الاعتقال أو التهديد، كما تعاني العديد منهن من ضغوط نفسية واقتصادية نتيجة فقدان فرص العمل أو العمل في ظروف غير مستقرة، كما تؤكد أن عدداً من الصحفيات اضطررن إلى العمل بشكل سري أو نشر تقاريرهن دون الكشف عن هوياتهن خشية التعرض للملاحقة أو الانتقام، في ظل بيئة إعلامية توصف بأنها من الأكثر تقييداً في العالم.
تظهر البيانات أن الأزمة لا تقتصر على الصحفيات فقط، بل تمتد إلى القطاع الإعلامي بأكمله، فقد فقدت أفغانستان نحو 60 في المئة من صحفييها منذ سقوط كابول في أيدي حركة طالبان في أغسطس 2021، كما توقفت مئات المؤسسات الإعلامية عن العمل نتيجة القيود السياسية والأزمة الاقتصادية، وتشير تقديرات منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى أن البلاد كانت تضم قبل سيطرة طالبان أكثر من 11 ألف صحفي يعملون في نحو 547 مؤسسة إعلامية، لكن هذا العدد انخفض بشكل حاد خلال السنوات اللاحقة وفق منظمة "مراسلون بلا حدود".
وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من نصف وسائل الإعلام في أفغانستان توقفت عن العمل منذ عام 2021 بسبب القيود السياسية وانقطاع التمويل الدولي وتراجع الموارد الاقتصادية، ومع استمرار هذه الظروف، لا تزال نحو 470 مؤسسة إعلامية فقط تعمل داخل البلاد، وغالباً ما تضطر إلى الالتزام بتوجيهات صارمة تفرضها السلطات بشأن المحتوى الإعلامي وفق الاتحاد الدولي للصحفيين.
توثيق الانتهاكات
كما وثّق مركز الصحفيين الأفغان خلال عام 2024 ما لا يقل عن 181 انتهاكاً لحرية الإعلام، شملت الاعتقالات والتهديدات وإغلاق المؤسسات الإعلامية، وأشار التقرير إلى أن 18 وسيلة إعلامية أُغلقت خلال العام نفسه نتيجة السياسات التقييدية، إضافة إلى اعتقال نحو 50 صحفياً على خلفية أنشطتهم المهنية أو التقارير التي نشروها، ويؤكد المركز أن هذه الانتهاكات تعكس تصاعداً في القيود المفروضة على الصحافة مقارنة بالسنوات السابقة.
ويشير خبراء الإعلام إلى أن الصحفيات كن الأكثر تضرراً من هذه التحولات، فقد فرضت السلطات قيوداً إضافية على عمل النساء في المؤسسات الإعلامية، شملت متطلبات تتعلق بالمظهر والسلوك ومحتوى التقارير، كما مُنعت النساء في بعض المناطق من الظهور على شاشات التلفزيون أو إجراء مقابلات ميدانية، ما أدى إلى تقلص مساحة مشاركتهن المهنية بشكل كبير.
تداعيات التغيرات السياسية
تاريخياً، شهد الإعلام الأفغاني توسعاً كبيراً بعد عام 2001، حيث ظهرت مئات القنوات التلفزيونية والإذاعات والصحف، وبرزت أجيال جديدة من الصحفيين والصحفيات، وقد لعبت النساء دوراً متزايداً في هذا القطاع، خاصة في المدن الكبرى مثل كابول وهرات ومزار الشريف، حيث شاركن في تقديم البرامج الإخبارية وإعداد التقارير والتحقيقات الصحفية، إلا أن هذا التقدم تعرض لانتكاسة حادة بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد في عام 2021.
وتشير تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن القيود المفروضة على وسائل الإعلام تهدف إلى التحكم في تدفق المعلومات والحد من الانتقادات الموجهة للسلطات، وتشمل هذه القيود عمليات تفتيش للمؤسسات الإعلامية ومصادرة المعدات واعتقال الصحفيين الذين يُتهمون بالتعاون مع وسائل إعلام خارجية أو نشر تقارير تعتبرها السلطات مخالفة لتوجيهاتها.
تحديات اقتصادية حادة
ولا تقتصر الأزمة على القيود السياسية فحسب، بل تشمل أيضاً تحديات اقتصادية حادة، فبعد توقف جزء كبير من الدعم الدولي لوسائل الإعلام في أفغانستان، واجهت المؤسسات الإعلامية صعوبات مالية كبيرة أدت إلى تسريح آلاف الموظفين، وتشير تقارير مهنية إلى أن الأزمة الاقتصادية دفعت العديد من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تغيير مهنتهم، فيما اختارت بعض المؤسسات الإعلامية تقليص نشاطها أو إغلاق مكاتبها بالكامل بحسب الاتحاد الدولي للصحفيين.
كما أثرت القيود المفروضة على الإنترنت والاتصالات في قدرة الصحفيين على العمل، حيث شهدت البلاد حالات انقطاع واسعة للإنترنت وخدمات الاتصالات، ما أدى إلى تعطيل العمل الإعلامي وتقييد الوصول إلى المعلومات، وأفادت تقارير إعلامية بأن هذه الإجراءات تسببت في عزلة رقمية أثرت على قدرة الصحفيين على التواصل مع مصادرهم ونشر التقارير الإخبارية.
دعوات دولية للحماية
على الصعيد الدولي، أعربت منظمات صحفية دولية وحقوقية عن قلقها إزاء التراجع الحاد في حرية الإعلام في أفغانستان، فقد دعت منظمة “مراسلون بلا حدود” و"الاتحاد الدولي للصحفيين" الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة لحماية الصحفيين ودعم المؤسسات الإعلامية المستقلة في البلاد، كما طالبت هذه المنظمات بتوفير برامج دعم مالي وتدريب مهني للصحفيين الأفغان، خاصة النساء اللاتي فقدن وظائفهن.
وتؤكد الأمم المتحدة أن حرية التعبير وحرية الإعلام تعدان من الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتشدد المنظمة على أن ضمان بيئة آمنة للصحفيين يمثل شرطاً أساسياً لعمل الإعلام المستقل، داعية السلطات في أفغانستان إلى احترام التزاماتها الدولية المتعلقة بحماية الصحفيين وضمان حق الوصول إلى المعلومات.
وتحذر تقارير حقوقية من أن استمرار القيود المفروضة على الإعلام قد يؤدي إلى مزيد من تراجع الشفافية وتقييد تدفق المعلومات داخل المجتمع الأفغاني، كما تشير هذه التقارير إلى أن غياب الإعلام المستقل قد يحد من قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات الموثوقة، ما ينعكس على مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.











