قمع عابر للحدود.. إيران تهدد معارضيها في الخارج بالإعدام ومصادرة الممتلكات

قمع عابر للحدود.. إيران تهدد معارضيها في الخارج بالإعدام ومصادرة الممتلكات
جانب من احتجاجات المعارضة الإيرانية في الخارج

تشهد إيران تصعيداً ملحوظاً في خطابها الأمني والقضائي تجاه المعارضين المقيمين خارج البلاد، في خطوة تعكس توسع دائرة القمع إلى ما وراء الحدود الوطنية، فقد أعلن مكتب المدعي العام الإيراني في بيان تداولته وسائل الإعلام المحلية يوم الاثنين أن المواطنين الإيرانيين في الخارج الذين يتعاونون مع ما تصفه السلطات بـ"الحكومات المعادية" أو يدعمون جهود إسقاط النظام قد يواجهون عقوبات تصل إلى الإعدام ومصادرة ممتلكاتهم.

 ويأتي هذا التهديد في سياق تشديد الإجراءات الأمنية والقانونية المرتبطة بقضايا الأمن القومي والتجسس، في سياق التصعيد العسكري الأخير مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، حيث توسع التشريعات الإيرانية تعريف التعاون مع جهات أجنبية ليشمل أنشطة سياسية أو إعلامية معارضة للنظام.

الإطار القانوني للتهديدات الجديدة

تستند التهديدات الصادرة عن القضاء الإيراني إلى قانون أُقر في أكتوبر الماضي يتعلق بما تصفه السلطات بـ"التعاون مع الحكومات المعادية"، وتنص المادة الأولى من هذا القانون على أن أي نشاط يتم لمصلحة دول مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي جهة تعدها طهران معادية ويُعتقد أنه يضر بالأمن الوطني، يمكن أن يؤدي إلى مصادرة جميع ممتلكات الشخص المعني والحكم عليه بالإعدام، ويعد هذا التشريع توسعاً في استخدام تهم مثل "الإفساد في الأرض" و"الحرابة"، وهي تهم استُخدمت تاريخياً في إيران لملاحقة المعارضين السياسيين والناشطين.

اعتقالات داخلية متزامنة مع التهديدات

تزامناً مع إصدار البيان القضائي، أفادت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني باعتقال 50 مواطناً في محافظتي كهغيلويه وبوير أحمد جنوب غربي البلاد، وذكرت التقارير أن المعتقلين متهمون بالتخطيط للحصول على أسلحة بهدف "زعزعة الأمن العام"، دون تقديم تفاصيل إضافية حول هوياتهم أو الأدلة المقدمة ضدهم، ويشير مراقبون إلى أن مثل هذه الاعتقالات غالباً ما تأتي في فترات التوتر الأمني أو التصعيد السياسي، حيث تتهم السلطات الإيرانية معارضيها بالارتباط بجهات أجنبية مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل.

 الإعدام بوصفه أداة ردع

تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن إيران تعد من أكثر الدول استخداماً لعقوبة الإعدام في العالم، حيث سجلت المنظمات الحقوقية ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الإعدامات خلال السنوات الأخيرة، فقد وثقت منظمة العفو الدولية تنفيذ ما لا يقل عن 972 عملية إعدام في إيران خلال عام 2024، وهو ما يمثل نحو 64 في المئة من إجمالي الإعدامات المسجلة عالمياً في ذلك العام، ويُنظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مؤشراً على تصاعد استخدام العقوبة وسيلة لفرض السيطرة السياسية والاجتماعية.

أرقام قياسية 

استمرت وتيرة الإعدامات في الارتفاع خلال عام 2025، حيث أفادت تقارير حقوقية بأن عدد الأشخاص الذين أُعدموا في إيران تجاوز ألف شخص خلال أقل من تسعة أشهر فقط، وهو أعلى رقم يسجل خلال 15 عاماً وفقاً لمنظمة العفو الدولية، كما أشارت البيانات إلى أن السلطات الإيرانية كثفت استخدام عقوبة الإعدام في قضايا مرتبطة بالأمن القومي والتجسس بعد تصاعد التوترات الإقليمية، مع دعوات من مسؤولين قضائيين لتسريع المحاكمات وتنفيذ الأحكام في مثل هذه القضايا.

وتشير تقارير منظمات حقوقية مستقلة إلى أن الأرقام الفعلية للإعدامات قد تكون أعلى بكثير من تلك المعلنة رسمياً. فقد وثق تقرير صادر عن شبكة نشطاء حقوق الإنسان في إيران "HRANA" تنفيذ ما لا يقل عن 1922 عملية إعدام خلال عام 2025، بزيادة تزيد على 100 في المئة مقارنة بالعام السابق، كما أشار التقرير إلى أن نحو 95 في المئة من هذه الإعدامات لم تعلن عنها السلطات الإيرانية بشكل رسمي، ما يثير مخاوف بشأن مستوى الشفافية في النظام القضائي الإيراني.

انتقادات أممية لتصاعد الإعدامات

أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء الارتفاع الحاد في عدد الإعدامات في إيران، حيث أفادت تقارير قُدمت إلى مجلس حقوق الإنسان بأن ما لا يقل عن 975 شخصاً أُعدموا خلال عام 2024، في أعلى رقم منذ عام 2015، كما لفتت التقارير إلى أن نسبة كبيرة من هذه الإعدامات تتعلق بجرائم مخدرات أو تهم أمنية، في حين تشير منظمات حقوقية إلى أن المحاكمات في كثير من الحالات تفتقر إلى معايير العدالة والإجراءات القانونية الواجبة، وفق تقرير الأمم المتحدة المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان.

يرتبط تصاعد استخدام الإعدام في إيران بسياق تاريخي طويل من الصراع بين السلطة والمعارضة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وقد استخدمت السلطات الإيرانية خلال العقود الماضية أدوات قضائية وأمنية مختلفة للسيطرة على الاحتجاجات والأنشطة المعارضة، ومنها الاعتقالات الجماعية والمحاكمات السريعة، وتشير تقارير حقوقية إلى أن القوانين المتعلقة بالأمن القومي كثيراً ما تستخدم لتجريم أنشطة سياسية أو إعلامية معارضة، وهو ما يعزز مناخ الخوف داخل المجتمع الإيراني.

تداعيات إنسانية على المجتمع الإيراني

يؤكد خبراء حقوق الإنسان أن تصاعد الإعدامات والاعتقالات له آثار إنسانية عميقة في المجتمع الإيراني؛ إذ يعيش العديد من الأسر في حالة من القلق بسبب الاعتقالات المفاجئة أو الأحكام القضائية القاسية، كما يشير نشطاء إلى أن القيود المفروضة على الإعلام والإنترنت تجعل من الصعب توثيق جميع حالات الاعتقال أو الإعدام، ما يزيد من الغموض المحيط بحجم الانتهاكات. وفي ظل هذه الظروف، تواجه عائلات المعتقلين صعوبات قانونية واجتماعية واقتصادية كبيرة.

ردود فعل المنظمات الحقوقية الدولية

دعت العديد من المنظمات الحقوقية الدولية، ومنها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية ومنظمة إيران لحقوق الإنسان، إلى فرض وقف فوري لتنفيذ عقوبة الإعدام في إيران، معتبرة أن استخدامها المتزايد يمثل انتهاكاً للحق في الحياة المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما طالبت هذه المنظمات المجتمع الدولي بالضغط على السلطات الإيرانية لضمان محاكمات عادلة واحترام حرية التعبير، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالمعارضة السياسية أو النشاط الحقوقي.

القانون الدولي 

ينص القانون الدولي لحقوق الإنسان على أن عقوبة الإعدام يجب أن تقتصر على "أشد الجرائم خطورة"، وأن تصدر بعد محاكمات عادلة تضمن حقوق الدفاع، غير أن العديد من المنظمات الحقوقية يرى أن استخدام إيران لهذه العقوبة في قضايا تتعلق بالتجسس أو الجرائم السياسية يتعارض مع هذه المعايير، كما تدعو الأمم المتحدة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان باستمرار إلى فرض وقف اختياري لتنفيذ الإعدام بوصفه خطوة أولى نحو إلغائه بالكامل، وهو ما لم تستجب له إيران حتى الآن.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية