الأطفال يدفعون الثمن الأكبر.. نزوح جماعي وتحذيرات دولية من انهيار إنساني في لبنان

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر.. نزوح جماعي وتحذيرات دولية من انهيار إنساني في لبنان
النزوح في لبنان جراء الحرب

تشهد الساحة اللبنانية تصاعداً حاداً في التوترات العسكرية في ظل اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل البلاد، وحذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن حياة مئات الآلاف من السكان في لبنان انقلبت رأساً على عقب نتيجة العمليات العسكرية المتصاعدة، مؤكدة أن البلاد تواجه اضطراباً إنسانياً واسع النطاق، وتشير بيانات المفوضية إلى أن عدد النازحين المسجلين داخل لبنان تجاوز 667 ألف شخص خلال فترة قصيرة، مع تسجيل زيادة تقارب 100 ألف نازح خلال يوم واحد فقط، وهو ما يعكس حجم الضغوط الإنسانية المتزايدة على البنية التحتية والخدمات الأساسية في البلاد.

موجة نزوح غير مسبوقة

تشير التقارير الإنسانية إلى أن النزوح الداخلي في لبنان يشهد تصاعداً متسارعاً نتيجة العمليات العسكرية والقصف المتبادل، ووفقاً للبيانات الحكومية التي نقلتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعيش نحو 120 ألف شخص في مراكز إيواء مؤقتة خصصتها السلطات اللبنانية، في حين اضطر عشرات الآلاف إلى الإقامة لدى أقارب أو أصدقاء أو البحث عن مأوى مؤقت في ظروف صعبة، وأكدت ممثلة المفوضية في لبنان كارولينا ليندهولم بيلينغ أن العديد من العائلات اضطرت للنوم في سياراتها أو في الشوارع بسبب نقص أماكن الإيواء، في مؤشر واضح على حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

الأطفال في قلب الكارثة الإنسانية

تعد فئة الأطفال من أكثر الفئات تضرراً من التصعيد العسكري في لبنان، فقد أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" عن قلقها البالغ إزاء الارتفاع الكبير في أعداد الضحايا بين الأطفال خلال الأيام الأخيرة، وتشير البيانات الصادرة عن المنظمة إلى مقتل ما لا يقل عن 83 طفلاً وإصابة 254 آخرين منذ الثاني من مارس، في ظل استمرار الهجمات، كما سجل الأسبوع الماضي وحده مقتل أكثر من عشرة أطفال يومياً في مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى إصابة نحو 36 طفلاً يومياً، وهو ما وصفته المنظمة بأنه مؤشر خطير على حجم الخسائر التي يتكبدها الأطفال في هذا النزاع.

نزوح مئات الآلاف وتدهور الخدمات

إلى جانب الخسائر البشرية، تسبب النزاع في موجة نزوح واسعة بين العائلات اللبنانية، وتقدّر اليونيسف أن نحو 700 ألف شخص نزحوا داخلياً داخل لبنان نتيجة التصعيد العسكري، بينهم ما يقرب من 200 ألف طفل، ويعيش العديد من هؤلاء الأطفال في ملاجئ مكتظة أو مبانٍ غير مجهزة، في ظل نقص الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم، ما يزيد من المخاطر الصحية والنفسية التي يواجهونها.

أدى تصاعد العمليات العسكرية إلى تضرر البنية التحتية الحيوية في عدد من المناطق اللبنانية، منها شبكات الكهرباء والمياه والمرافق الصحية، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن القصف المستمر أدى إلى إغلاق عدد من المدارس والمراكز الصحية، ما حرم آلاف الأطفال من التعليم والخدمات الطبية، كما تواجه المستشفيات ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أعداد الجرحى والنازحين، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

انعكاسات اقتصادية على المجتمع اللبناني

تأتي الأزمة الإنسانية الحالية في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، فقد شهد الاقتصاد اللبناني منذ عام 2019 انهياراً حاداً أدى إلى تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أكثر من 80 في المئة من سكان لبنان يعيشون حالياً تحت خط الفقر متعدد الأبعاد، ما يجعل تأثير النزاع العسكري أكثر حدة في المجتمعات المحلية.

تحذيرات حقوقية 

أعربت منظمات حقوق الإنسان الدولية عن قلقها من تزايد الخسائر بين المدنيين في لبنان، فقد أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن حماية المدنيين يجب أن تبقى أولوية في أي نزاع مسلح، داعية جميع الأطراف إلى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والامتناع عن استهداف المناطق المدنية والبنية التحتية الحيوية.

كما شددت منظمة العفو الدولية على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة في أي هجمات قد تكون أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، مؤكدة أن القانون الدولي يفرض على أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالسكان المدنيين.

القانون الدولي وحماية المدنيين

ينص القانون الدولي الإنساني، ومنه اتفاقيات جنيف، على ضرورة حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، مع منح الأطفال حماية خاصة نظراً لضعفهم، كما تحظر هذه الاتفاقيات استهداف المدارس والمستشفيات والملاجئ، وتلزم الأطراف المتحاربة باتخاذ تدابير لتقليل الأضرار التي قد تلحق بالسكان المدنيين، وتشير الأمم المتحدة إلى أن احترام هذه القواعد يمثل شرطاً أساسياً للحد من الخسائر الإنسانية في النزاعات المسلحة، وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

يأتي التصعيد الحالي في سياق تاريخ طويل من الصراعات التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية، فمنذ الحرب الأهلية التي استمرت بين عامي 1975 و1990، تعرضت البلاد لسلسلة من الأزمات السياسية والعسكرية، كما شهد جنوب لبنان مواجهات متكررة بين إسرائيل وجماعة حزب الله، كان أبرزها حرب عام 2006 التي أدت إلى مقتل أكثر من ألف مدني ونزوح نحو مليون شخص داخل البلاد، وفق الأمم المتحدة.

مخاطر استمرار التصعيد

يحذر خبراء إنسانيون من أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان، خاصة في ظل محدودية الموارد الحكومية والضغوط الاقتصادية الهائلة التي تواجهها البلاد، وتشير الأمم المتحدة إلى أن تزايد أعداد النازحين وتدهور الخدمات الأساسية قد يؤديان إلى أزمة إنسانية طويلة الأمد إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لخفض التصعيد وتوفير الدعم الإنساني، وفق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

تؤكد التحذيرات الأممية الأخيرة أن لبنان يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية إنسانياً وأمنياً، حيث يواجه مئات الآلاف من المدنيين، وخاصة الأطفال، ظروفاً معيشية قاسية في ظل استمرار النزاع، ومع تصاعد أعداد الضحايا والنازحين، تتزايد الدعوات الدولية إلى وقف التصعيد والالتزام بالقانون الدولي الإنساني من أجل حماية المدنيين ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية في البلاد.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية