حرية التعبير في خطر.. سياسات واشنطن تقمع معارضي دعم إسرائيل
تحت ذريعة الأمن
في خطوة مثيرة للجدل تمس حرية الرأي والتنقل، قررت واشنطن فرض قيود جديدة على منح التأشيرات، تستهدف بشكل خاص منتقدي إسرائيل، وتأتي هذه الإجراءات في إطار سياسات أوسع شملت سابقًا دراسة منع مواطني 40 دولة من دخول الولايات المتحدة، ومحاولات لترحيل الطلاب المؤيدين لفلسطين.
وبحسب خبراء في القانون الدولي والشأن الأمريكي، تعكس هذه التوجيهات الجديدة، التي أصدرها وزير الخارجية ماركو روبيو، قبل أيام، انتكاسة حقوقية كبرى، إذ تسقط القناع عن الولايات المتحدة التي كانت تُوصف بأنها "أرض الحريات" قبل وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة.
ويرى الخبراء أن هذه الخطوات تأتي ضمن محاولات لشيطنة كل من يعارض إسرائيل أو السياسات الأمريكية، وفرض منطق القوة في مشهد يهدد ليس فقط واشنطن، بل العالم بأسره.
ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، أصدر روبيو برقية مطولة بتاريخ 25 مارس الماضي، وجه فيها السفارات الأمريكية حول العالم إلى التدقيق في محتوى منصات التواصل الاجتماعي الخاصة ببعض المتقدمين للحصول على تأشيرات دخول، خصوصًا الطلاب وغيرهم من الفئات المستهدفة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين قولهم، يوم الأربعاء، إن هذه الخطوة تهدف إلى منع دخول الأفراد الذين يُشتبه في انتقادهم الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وأكد المسؤولون أن التوجيهات الجديدة تفرض على موظفي السفارات إحالة بعض المتقدمين للحصول على التأشيرات، خاصة الطلاب، إلى "وحدة منع الاحتيال" لإجراء فحص إلزامي لمنشوراتهم على منصات التواصل الاجتماعي.
معايير التدقيق الجديدة
وحددت البرقية الفئات المستهدفة بالمراقبة، وتشمل الأفراد الذين يُشتبه في صلاتهم أو تعاطفهم مع الإرهاب، وحاملي تأشيرات الدراسة أو التبادل بين 7 أكتوبر 2023 (موعد بدء الحرب الإسرائيلية على غزة) و31 أغسطس 2024.
وتشير هذه التواريخ إلى أن الهدف الأساسي من فحص منصات التواصل الاجتماعي هو منع منح التأشيرات للطلاب الذين أعربوا عن تضامنهم مع الفلسطينيين خلال الحرب.
كما تنص البرقية على إمكانية رفض التأشيرة إذا أظهر المتقدم موقفًا عدائيًا تجاه الأمريكيين أو الثقافة الأمريكية، بما يشمل الحكومة، المؤسسات، أو المبادئ التأسيسية.
وتأتي هذه التوجيهات بعد أسابيع من توقيع الرئيس ترامب أوامر تنفيذية لتشديد القيود على الأجانب، بما في ذلك أولئك الذين يحملون "مواقف عدائية" تجاه الولايات المتحدة، كما أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يستهدف ما أسماه "معاداة السامية"، وهو إجراء يشمل ترحيل الطلاب الأجانب الذين يشاركون في الاحتجاجات الجامعية ضد الحرب على غزة.
وفي هذا السياق، صرّح روبيو بأن إدارة ترامب ألغت أكثر من 300 تأشيرة حتى الآن، مؤكدًا: "نفعل ذلك يوميًا، وفي كل مرة نكتشف فيها أحد هؤلاء الأشخاص، نسحب تأشيرته"، دون تقديم تفاصيل حول هوية المتأثرين بالإجراءات.
كما أوضح أن الولايات المتحدة ستسحب التأشيرات من الطلاب المتورطين في "تخريب الجامعات، مضايقة زملائهم، الاستيلاء على المباني، وإثارة الشغب".
وفي تطور لافت، رفض القاضي الفيدرالي الأمريكي مايكل فاربيارز يوم الثلاثاء نقل قضية ترحيل الطالب الفلسطيني محمود خليل إلى ولاية لويزيانا، وفق وكالة الأنباء الألمانية.
ويعد خليل، المقيم بشكل قانوني في الولايات المتحدة، أول شخص يُعتقل في إطار حملة إدارة ترامب ضد الطلاب المشاركين في الاحتجاجات المناهضة للحرب على غزة، فقد اعتُقل في 8 مارس الماضي داخل سكنه الجامعي، ثم تم نقله جوًا إلى مركز احتجاز للمهاجرين في جينا، لويزيانا، وهي خطوة اعتبرها محاموه محاولة لعزله عن أسرته والتلاعب بالاختصاص القضائي لقضيته.
تصعيد أمريكي
وتواصل وزارة التعليم الأمريكية مراجعة تمويل الجامعات التي شهدت احتجاجات مؤيدة لفلسطين، حيث هددت الإدارة بتخفيض الدعم الفيدرالي لبعض المؤسسات الأكاديمية.
وفي مارس الماضي، ألغت الحكومة تمويلاً بقيمة 400 مليون دولار لجامعة كولومبيا، كما أعادت النظر في مِنَح وعقود بقيمة تسعة مليارات دولار مخصصة لجامعة هارفارد، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولةً للضغط على الجامعات التي تحتضن أصواتًا معارضة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية.
وفي تطور قانوني لافت، أصدر قاضٍ اتحادي في ولاية ماساتشوستس، الجمعة، قرارًا بوقف ترحيل طالبة الدكتوراه التركية رميساء أوزتورك، بعد اعتقالها من قِبَل سلطات الهجرة الفيدرالية على خلفية دعمها للفلسطينيين خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفقًا لوكالة رويترز.
وفي أواخر مارس، رفعت الطالبة الأمريكية من أصل كوري، يونسيو تشونغ، دعوى قضائية ضد إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد إلغاء إقامتها الدائمة بسبب مشاركتها في احتجاجات داعمة لفلسطين، واتهمت تشونغ الحكومة الأمريكية باستهدافها بسبب مواقفها السياسية، مؤكدةً أن القرار ينتهك حقوقها الدستورية.
وتبلغ تشونغ 21 عامًا، وتعيش في الولايات المتحدة منذ كانت في السابعة من عمرها. لكنها فوجئت قبل أسبوعين بإبلاغ فريقها القانوني بإلغاء وضعها القانوني كمقيمة دائمة، وفقًا لما أوردته شبكة “سي إن إن”.
وأُرجع ذلك إلى اعتقالها خلال اعتصام طلابي في جامعة كولومبيا في 5 مارس، حيث وُجهت إليها تهمة "عرقلة الإدارة الحكومية"، ما أدى إلى تعليق دراستها مؤقتًا ومنعها من دخول الحرم الجامعي.
وفي خطوة أخرى، رفع عدد من أساتذة الجامعات دعوى قضائية ضد إدارة ترامب، معتبرين أن استهداف الطلاب الأجانب يخالف القانون، كما طالب الاتحاد الأمريكي للمعلمين والجمعية الأمريكية لأساتذة الجامعات بإلغاء قرار خفض 400 مليون دولار من ميزانية جامعة كولومبيا، بحجة أنه غير دستوري.
قيود جديدة
ووسط هذه التطورات، تدرس إدارة ترامب فرض قيود صارمة على السفر تشمل 43 دولة، تم تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسية وفقًا لمستوى الحظر، حيث تشمل الفئة الحمراء (حظر كامل للتأشيرات) 11 دولة يُمنع مواطنوها من دخول الولايات المتحدة بالكامل، مع تعليق جميع التأشيرات.
وتضم هذه القائمة، أفغانستان، وبوتان، وكوبا، وإيران، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، إضافة إلى خمس دول عربية وهي ليبيا، والصومال، والسودان، وسوريا، واليمن.
أما الفئة البرتقالية (قيود صارمة على التأشيرات) فتشمل 10 دول، حيث يُسمح فقط لرجال الأعمال الأثرياء بالحصول على تأشيرات دخول، بينما يُمنع المهاجرون والسائحون، كما يخضع المتقدمون من هذه الدول لمقابلات شخصية إلزامية للحصول على التأشيرة.
وتشمل هذه القائمة بيلاروسيا، وإريتريا، وهايتي، ولاوس، وميانمار، وباكستان، وروسيا، وسيراليون، وجنوب السودان، وتركمانستان.
فيما تشمل الفئة الصفراء (مهلة لمعالجة المخاوف الأمنية) 22 دولة أمامها مهلة 60 يومًا لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، وإلا فسيتم تصعيدها إلى إحدى الفئتين الأخريين.
ومن بين هذه الدول أنغولا، وبنين، وبوركينا فاسو، والرأس الأخضر، وكمبوديا، والكاميرون، وتشاد، وباكستان.
عنصرية غير مسبوقة
وقال الدكتور مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي والباحث والمحلل السياسي، في تصريح لــ “جسور بوست”، إن "الولايات المتحدة وصلت حاليًا إلى مرحلة غير مسبوقة من العنصرية، حيث تستهدف هذه التوجيهات أي زائر، أو سائح، أو طالب أو باحث يرغب في دخول البلاد".
ويرى عفيفي أن "هذه الإجراءات تأتي تحت غطاء حماية الأمن القومي، لكنها في الواقع تؤدي إلى عزلة الولايات المتحدة وتشجع على العزوف عن السفر إليها"، مشيرًا إلى تزايد التحذيرات بشأن السفر من وإلى الولايات المتحدة بسبب هذه السياسات القمعية.
انتكاسة حقوقية
بدوره أكد الحقوقي الدولي عبد المجيد مراري، في تصريح لـ“جسور بوست”، أن الولايات المتحدة تشهد انتكاسة غير مسبوقة في مجال الحقوق والحريات، خاصة حرية الرأي والتعبير، بسبب سياساتها الأخيرة.
وأضاف: "القناع سقط عن الولايات المتحدة وشعاراتها الزائفة، بعدما انحازت بشكل واضح إلى إسرائيل في حربها الإبادية ضد غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وتسعى الآن لإضفاء الشرعية على قراراتها القمعية".
وأشار مراري إلى أن الإدارة الأمريكية فقدت إنسانيتها عندما اختارت الصمت أمام الجرائم بحق المدنيين، واستمرت في نهج ازدواجية المعايير، موضحًا أن واشنطن لم تعد كما كانت تدّعي بأنها حامية للحريات وحقوق الإنسان، بل أصبحت تضيق على الإعلام وتمنع الأصوات المعارضة، كما شهدنا سابقًا عندما قام ترامب بطرد صحفيين والتضييق على وسائل الإعلام، فضلًا عن عدم احترامه للمنظومة القانونية الدولية.
وأكد مراري أن هذه السياسات تعكس تحولًا خطيرًا في النهج الحقوقي الأمريكي، حيث باتت الحريات في تراجع مستمر، فيما أصبحت القوانين الدولية مهددة من قبل إدارة ترامب، واعتبر أن الإجراءات الأخيرة ليست مجرد تدابير سياسية، بل هي خطوة نحو تقييد الحريات الأساسية وتقويض المبادئ الديمقراطية التي طالما تباهت بها الولايات المتحدة.
شيطنة ممنهجة
من جانبه، يرى أستاذ القانون الدولي الفلسطيني، الدكتور أمجد شهاب، في تصريح لــ“جسور بوست”، أن المسألة لا تقتصر فقط على تقييد حرية التعبير، بل تأتي في إطار فرض استراتيجية جديدة تستند إلى العقوبات والضغط السياسي، دون الاعتراف بالمنظومة القانونية الدولية.
وأشار شهاب إلى أن واشنطن تقود العالم نحو مستقبل أكثر سوداوية، حيث تحولت من دولة تُعرف بالحريات إلى ساحة تُنتهك فيها حقوق الإنسان تحت ذريعة دعم إسرائيل، التي تستمر في ارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين وسط صمت دولي.
وأضاف أن هذه الإجراءات قد تكون جزءًا من حملة "شيطنة" ممنهجة ضد العرب والمسلمين، تقودها تيارات اليمين المتطرف، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل أيضًا في أوروبا، بهدف تمهيد الطريق لإجراءات أكثر تشددًا ضدهم.
وحذّر شهاب من أن هذه السياسات لا تسعى فقط لاستعادة الهيمنة الأمريكية المفقودة، بل تكرّس منطق القوة على حساب العدالة، ما يهدد الاستقرار العالمي، ويجعل واشنطن مصدرًا للفوضى بدلاً من أن تكون قوة داعمة للسلام والأمن الدوليين.
وتعكس هذه الإجراءات توجهًا أكثر تشددًا من قبل إدارة ترامب تجاه الأصوات المعارضة، خاصة في الأوساط الأكاديمية، ومع تصاعد الضغوط القانونية والاحتجاجات، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى التزام الولايات المتحدة بقيمها التقليدية المتعلقة بحرية التعبير وحقوق الإنسان.