نساء "عشتار".. حين تتجسد حماية الطبيعة في نضال نسوي مستوحى من التاريخ
نساء "عشتار".. حين تتجسد حماية الطبيعة في نضال نسوي مستوحى من التاريخ
بعد مرور أكثر من 4500 عام على نقش أول صورة للإلهة عشتار، رمز الخصوبة والحياة والتجدد، فوق صخرة جبل باتير في مدينة سربل ذهاب غرب إيران، تعود هذه الرمزية القديمة للحياة مجددًا، ولكن بشكل مختلف، عبر مبادرة نسائية بيئية تنشد إنقاذ الطبيعة والدفاع عنها.
في مدينة تقع بين الجبال وتختزن بين تضاريسها ذاكرة الأساطير والقهر، قررت مجموعة من النساء أن يجعلن من اسم "عشتار" راية لنضال بيئي ونسوي، يجمع بين حماية الأرض، وتمكين المرأة، وكسر قيود النظام الأبوي الذي طالما أخضع الاثنتين، بحسب ما ذكرت وكالة "JINHA"، اليوم الأربعاء.
وأطلق مجموعة من النساء في مدينة سربل ذهاب اسم "عشتار" على حركتهن البيئية، في إشارة إلى الإلهة التي كانت في الأساطير رمزًا للخصوبة، وبداية الربيع، وحامية للأرض.
استلهمت النساء هذه الرمزية لربط قضايا البيئة بالمرأة، باعتبار أن كليهما يتعرض للتهميش والتدمير في ظل نظام يرسّخ السلطة الذكورية، حيث يُمنع النساء من اتخاذ قرارات تتعلق بحماية الأرض، رغم أنهن من يعملن عليها ويعشن في خيراتها.
الطبيعة امتداد لجسد المرأة
شددت إحدى عضوات المجموعة على أن "الطبيعة تسكن جسد المرأة"، قائلة: "كل ما في الطبيعة ينعكس في تكويننا الجسدي؛ من عروق الأشجار إلى القصبات الهوائية، ومن الأغصان إلى الأعضاء الداخلية".
وأكدت أن هذا التشابه العميق يعكس العلاقة العضوية بين الإنسان -وخاصة المرأة- والطبيعة، مشيرة إلى أن الظلم الذي تتعرض له الطبيعة يشبه في قسوته وامتداده ما يتعرض له النساء من قمع، وأن استعادة هذه العلاقة تعني استعادة التوازن والعدالة في المجتمع.
قالت "محبوبة. م"، إحدى مؤسسات المجموعة: "في سربل ذهاب، مدينة صغيرة محافظة، لم يكن من السهل على النساء الانخراط في نشاط بيئي مستقل، سألونا إن كانت لدينا تصاريح أو إذن من رجال العائلة، نظفنا القرى من النفايات، واجهنا استغرابًا، لكن شيئًا فشيئًا، بدأت نساء القرى يساعدننا، ثم بادرن من تلقاء أنفسهن إلى تنظيف محيطهن".
وأضافت: "كل هذا بدأ بقرار نسائي مستقل. تلك أول خطوة للتحرر".
النساء والنضال البيئي
أثبت التاريخ أن النساء كن دومًا في الخطوط الأمامية لحماية البيئة. من بين أبرز الأمثلة العالمية، تبرز حركة "تشيبكو" في الهند، حين احتضنت النساء الأشجار بأجسادهن في السبعينيات لحمايتها من القطع.
تُعيد نساء "عشتار" إحياء هذا الإرث، من خلال مقاومة التخريب البيئي من الداخل، دون دعم حكومي، ووسط تجاهل مجتمعي، حيث لا تُمنح المرأة أدوات القرار، لكنها تخلق أدواتها وتفرض وجودها.
ورأت النساء أن ارتباطهن العاطفي والفطري بالطبيعة ليس فقط مصدرًا للإلهام، بل أيضًا أداة للتحرر. فالطبيعة، وفق ما عبرت إحداهن، "تكشف لنا أصلنا.. عندما نحبها نحب أنفسنا، وعندما نحميها نحمي ذاتنا الإنسانية".
ومن خلال حملات التوعية، والنشاطات البيئية الميدانية، تؤسس النساء لوعي بيئي نسوي، يتحدى نظامًا رأسماليًا لا يرى في البيئة إلا موردًا للاستغلال، ولا في النساء سوى يد عاملة صامتة.
الهيمنة الذكورية، والطبيعة الضحية
أشارت العضوات إلى أن القوانين الذكورية في المجتمع لا تمنح النساء الحق في تقرير مصير الأرض رغم قيامهن بزراعتها ورعايتها.
وقالت إحدى الناشطات: "الرجال يملكون الأرض، ويهدرون مواردها، ويقررون مصيرها. أما نحن، فننظف، ونرعى، ونُمنع من اتخاذ قرار بحمايتها".
في هذا السياق، تستحضر النساء مقولة الكاتبة الفرنسية فرانسواز دوبون، التي أكدت أن "الهيمنة على المرأة والطبيعة تنبع من نفس الجذر الأبوي"، داعية إلى النظر إليهما باعتبارهما قضيتين متداخلتين.
نحو تحرر الطبيعة والمرأة
انطلاقًا من هذا الفهم، رأت المجموعة أن الدفاع عن الطبيعة قد يشكّل مدخلاً لتحرر المرأة، والعكس كذلك، فكلما ازداد وعي النساء البيئي، زادت احتمالات تحررهن من قبضة النظام الأبوي، وتفككت حلقات السيطرة على كل ما هو أنثوي وطبيعي.
وأضافت إحداهن: "حين نخرج إلى الجبال لجمع النفايات، لا ننظف البيئة فقط، بل نُنظف طريقنا إلى الحرية".
ليست "عشتار" مجرد مجموعة نسائية بيئية، إنها صوت متجدد لحضارة قديمة، يتردد في الوديان وبين الأشجار، ويقول: "نحن النساء نولد من رحم الأرض، وسنحميها كما تحمينا".
وسط التهديدات التي تواجه الكوكب، ومع استمرار تهميش النساء، يبدو أن الحركات مثل "عشتار" هي ما تبقّى من الأمل الحقيقي لعالم أكثر توازنًا وعدالة.