جرافات إسرائيل تهدم الحق في السكن.. لاجئو نور شمس يعيشون التهجير للمرة الثانية

جرافات إسرائيل تهدم الحق في السكن.. لاجئو نور شمس يعيشون التهجير للمرة الثانية
تهجير سكان مخيم نور الشمس- أرشيف

يرصد الفلسطينيون في مخيم نور شمس للاجئين شمال الضفة الغربية مشهدًا يتكرر منذ نحو عام، حيث تقتحم الجرافات العسكرية الإسرائيلية الأزقة الضيقة وتهدم المنازل أمام أعين أصحابها، وفق ما نقلته واشنطن بوست وأسوشيتد برس.

ويأتي هذا المشهد في سياق توغل إسرائيلي متواصل في مخيمات اللاجئين الشمالية، ضمن عملية أطلقت عليها إسرائيل اسم "الجدار الحديدي" مطلع عام 2025، وهي عملية لم تتوقف تداعياتها عند حدود الأمن، بل امتدت إلى تقويض مباشر لحقوق أساسية في مقدمتها الحق في السكن والأمان والاستقرار.

تتكرر عمليات الهدم في مخيم نور شمس، كما في مخيمات جنين وطولكرم، خلال الأشهر الإحدى عشر الماضية، حيث وثّق تحليل صور أقمار صناعية أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش هدم أو إلحاق أضرار جسيمة بما لا يقل عن 850 مبنى في هذه المخيمات الثلاثة.
تعكس هذه الأرقام حجم الضرر الواسع الذي طال البنية السكنية لمخيمات أنشئت أساسًا لإيواء لاجئين حُرموا من ديارهم منذ عقود.

فرض واقع جديد

يفرض الجيش الإسرائيلي واقعًا جديدًا على سكان المخيمات عبر إجبارهم على النزوح القسري، ما أدى إلى أكبر موجة نزوح في الضفة الغربية منذ احتلالها عام 1967، وفق ما نقلته واشنطن بوست وأسوشيتد برس.

ويعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم إمّا مع أقاربهم، أو في شقق مستأجرة مكتظة، أو داخل مبانٍ عامة لا تلبّي الحد الأدنى من متطلبات السكن اللائق.

وتُبرر إسرائيل هذه العمليات بالقول إن الهدف هو استئصال الجماعات المسلحة، وإن هدم المنازل ضروري لتدمير ما تصفه بالبنية التحتية لتلك الجماعات أو لتأمين طرق القوات العسكرية، بحسب تصريحات نقلتها "واشنطن بوست".

كما أعلنت إسرائيل أن قواتها ستبقى في بعض المخيمات لمدة عام، دون تقديم جدول زمني واضح لعودة السكان، تاركة مصير عشرات الآلاف معلقًا على قرارات عسكرية غير محددة الأفق.

وتنقل منظمات حقوقية وفلسطينيون، صورة مغايرة للرواية الرسمية، مؤكدين أن المداهمات تؤدي إلى تدمير واسع للمنازل دون ضمانات حقيقية لحق السكان في العودة.

وأظهر مقطع فيديو بثته "أسوشيتد برس" جرافات تهدم عدة منازل من أصل 25 منزلًا أعلن الجيش عن نيته هدمها في أحد المواقع، في مشهد يعكس التنفيذ الميداني لسياسة الهدم.

ربط الحاضر بتاريخ طويل

يصف المواطن الفلسطيني معتز موهور، الذي كان منزله مهددًا بالهدم، اللحظة التي شاهد فيها الجرافات قائلاً: "منزلنا عزيز علينا، وذكرياتنا عزيزة علينا، وعائلاتنا وجيراننا وأهلنا الطيبون عزيزون علينا.. هذه هي المرة الأولى التي يُهجّر فيها أجدادنا، وهذه هي المرة الثانية"، حيث يعيد هذا التصريح ربط الحاضر بتاريخ طويل من التهجير المتكرر.

يستعيد موهور تاريخ عائلته التي انتقلت إلى مخيم نور شمس بعد تهجيرها من مدينتي يافا وحيفا خلال حرب عام 1948، حين طُرد نحو 700 ألف فلسطيني من منازلهم أو فروا مع تقدم القوات، في ما يُعرف بـ"النكبة"، حيث يكشف هذا السرد كيف يتوارث الفلسطينيون تجربة الفقد جيلًا بعد جيل.

يعيش موهور اليوم مع نحو 25 من أقاربه داخل شقة لا تتجاوز مساحتها 100 متر مربع (1070 قدمًا مربعًا)، بعد تهجيرهم من المخيم، في ظروف تفتقر إلى الخصوصية والحد الأدنى من الحياة الكريمة

يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه سمح للسكان بأخذ ممتلكاتهم من منازلهم مسبقًا، وأنه لم يهدم المباني إلا عند وجود "حاجة عملياتية واضحة وضرورية" وبعد دراسة خيارات بديلة، كما يوضح أن المخيم لا يزال منطقة نشاط مسلح حتى بعد مرور عام تقريبًا على بدء العملية، وأن القوات عثرت على متفجرات في المخيم خلال الشهر الماضي.

واقع إنساني قاسٍ

يواجه سكان المخيمات هذه التبريرات بواقع إنساني قاسٍ، حيث يجدون أنفسهم بلا مأوى دائم أو أفق واضح للعودة، ويعكس تصريح المواطن الفلسطيني أحمد السييس، البالغ من العمر 60 عامًا، حجم الصدمة الإنسانية، إذ قال إن منزله كان مقررًا هدمه، وإنه فوجئ باستيقاظه على صوت الجرافات وهي تبدأ العمل.

يعبّر السييس عن معاناته قائلاً: "الأمر صعب ومؤلم للغاية"، موضحًا أن المنزل الذي يقيم فيه حاليًا معروض للبيع، وأنه سيضطر لمغادرته، مضيفًا: "إنها مأساة تلو الأخرى، الوضع صعب للغاية، الله وحده يعلم ما يخبئه لنا القدر".

تُبرز هذه الشهادات، البعد الإنساني العميق لسياسات الهدم، حيث لا يقتصر الأثر على خسارة جدران إسمنتية، بل يمتد إلى تفكيك الروابط الاجتماعية وطمس الذاكرة الجماعية لمجتمعات لاجئة تعيش أصلًا في ظروف استثنائية.

حالة عدم اليقين

يُعمّق استمرار التوغل العسكري وعدم وضوح موعد انسحاب القوات أو السماح بالعودة حالة عدم اليقين لدى السكان، الذين باتوا عالقين بين وعود أمنية إسرائيلية وواقع نزوح طويل الأمد، 

وتبقى المخيمات، التي كانت يومًا ملاذًا للاجئين، مناطق غير صالحة للسكن بفعل الدمار الواسع.

يُسجل هذا الواقع، كما تعكسه تغطية واشنطن بوست وأسوشيتد برس، واحدة من أوسع عمليات الهدم والنزوح في الضفة الغربية منذ عام 1967، مع ما يرافقها من انتهاك مستمر للحق في السكن، والحق في الأمان، والحق في عدم التهجير القسري.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية