دماء في الشوارع.. 192 قتيلاً في احتجاجات تتحدى القمع بإيران
دماء في الشوارع.. 192 قتيلاً في احتجاجات تتحدى القمع بإيران
دخلت الاحتجاجات المستمرة في إيران أسبوعها الثاني وسط أجواء دموية وحدّة المواجهة الشعبية، حيث أعلنت منظمات حقوقية ارتفاع حصيلة القتلى إلى 192 شخصا على الأقل، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من ارتكاب قوات الأمن مجازر جديدة لقمع التظاهرات التي باتت تهدد ركائز النظام السياسي القائم منذ أكثر من أربعة عقود.
وبحسب ما أفادت به منظمات حقوقية ووكالات أنباء دولية من بينها وكالة فرانس برس الأحد، فإن الاحتجاجات التي انطلقت في 28 ديسمبر الماضي تحولت من تحركات مطلبية ذات طابع اقتصادي إلى موجة غضب واسعة ذات شعارات سياسية مباشرة، في واحدة من أخطر الأزمات الداخلية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية منذ سنوات.
من أزمة اقتصادية إلى غضب شعبي
بدأت شرارة الاحتجاجات بإضراب نفذه تجار في بازار طهران احتجاجا على التدهور الحاد في سعر صرف العملة المحلية وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، ومع اتساع رقعة الغضب الشعبي، خرجت التظاهرات من الإطار الاقتصادي لتتبنى خطابا سياسيا معارضا للنظام، مستحضرة شعارات تنتقد بنية الحكم التي تأسست بعد ثورة عام 1979.
تأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه إيران تعاني من تداعيات حرب استمرت 12 يوما مع إسرائيل في يونيو الماضي، وأسفرت عن أضرار واسعة في البنية التحتية النووية والعسكرية، فضلا عن خسائر في أهداف مدنية. كما تدخلت الولايات المتحدة خلال تلك الحرب عبر قصف منشآت نووية رئيسية، ما زاد من حدة التوتر الإقليمي وألقى بظلاله على الداخل الإيراني.
انقطاع الإنترنت يعمق الغموض
رغم الحجب شبه التام لخدمات الإنترنت منذ أكثر من 60 ساعة، بحسب منظمة نتبلوكس، تواصلت الاحتجاجات في مدن عدة، من بينها طهران ومشهد. ويؤكد نشطاء أن هذا الانقطاع يهدف إلى عزل الشارع الإيراني عن العالم ومنع توثيق الانتهاكات، ما يجعل من الصعب التحقق من الأرقام الحقيقية للضحايا.
منظمة إيران هيومن رايتس التي تتخذ من النرويج مقرا لها أكدت أنها تحققت من مقتل 192 متظاهرا على الأقل منذ بدء الاحتجاجات، محذرة من أن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير في ظل تعذر الوصول إلى المعلومات.
فيديوهات مسربة وشهادات مقلقة
على الرغم من القيود، تسربت مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت تظاهرات حاشدة ومواجهات عنيفة، إضافة إلى مشاهد لسيارات تحترق في شوارع بعض المدن والتي تعكس تصاعدا لافتا في وتيرة الغضب الشعبي.
من جهتها، أكدت منظمة سنتر فور هيومن رايتس إن إيران، ومقرها الولايات المتحدة، تلقيها إفادات شهود وتقارير موثوقة تشير إلى مقتل مئات المتظاهرين خلال فترة انقطاع الإنترنت، محذرة من وقوع مجزرة حقيقية على الأرض.
وأشارت المنظمة إلى أن المستشفيات مكتظة بالمصابين، وأن مخزون الدم بدأ ينفد، لافتة إلى إصابات متكررة في العيون نتيجة أساليب قمع متعمدة تستخدمها قوات الأمن.
توقيفات واسعة ورسائل رسمية
في مواجهة هذا التصعيد، أعلنت السلطات الإيرانية تنفيذ حملات توقيف واسعة، وقال قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان إن قوات الأمن اعتقلت عددا كبيرا من من وصفهم بقادة أعمال الشغب، متوعدا بمحاسبتهم وفق الإجراءات القانونية، دون الكشف عن أعدادهم أو هوياتهم.
وعرض التلفزيون الرسمي مشاهد لجنازات عناصر من قوات الأمن قتلوا خلال الاحتجاجات، في محاولة لإبراز رواية رسمية تصف ما يجري بأعمال تخريبية.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعا بدوره المواطنين إلى عدم السماح بما سماه مثيري الشغب بزعزعة الاستقرار، مؤكدا أن الحكومة تسعى لتحقيق العدالة، كما ميّز علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بين احتجاجات اقتصادية مشروعة وأعمال عنف وصفها بأنها تشبه أساليب الجماعات الإرهابية.
شهدت إيران منذ قيام الجمهورية الإيرانية عام 1979 موجات احتجاج متكررة، كان أبرزها في أعوام 2009 و2019 و2022، وغالبا ما ارتبطت هذه التحركات بأزمات اقتصادية أو مطالب سياسية واجتماعية. وتعتمد السلطات في مواجهتها عادة على مزيج من القمع الأمني وقطع الاتصالات واعتقالات واسعة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى سقوط ضحايا بأعداد كبيرة.
وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السنوات الأخيرة نتيجة العقوبات الدولية وتراجع العملة وارتفاع التضخم، وهو ما جعل شرائح واسعة من المجتمع تعيش تحت ضغط معيشي خانق، ويرى محللون أن الاحتجاجات الحالية تتميز باتساعها الجغرافي وتزامنها مع ظرف إقليمي ودولي حساس، ما يجعل مآلاتها مفتوحة على احتمالات خطيرة، في ظل استمرار القمع وتصاعد أعداد الضحايا وغياب أفق سياسي واضح للحل.











