بعد سقوط مادورو.. فنزويليون يترقبون الإفراج عن السجناء السياسيين
بعد سقوط مادورو.. فنزويليون يترقبون الإفراج عن السجناء السياسيين
يعيش الفنزويليون حالة ترقب مشوبة بالأمل والقلق، مع انتظارهم اليوم الأحد قيام السلطات الانتقالية بإطلاق سراح السجناء السياسيين، في أعقاب تطورات سياسية وأمنية غير مسبوقة شهدتها البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، وهذا الانتظار لا يقتصر على عائلات المعتقلين فقط، بل يمتد إلى الشارع الفنزويلي بأكمله الذي يراقب مسار المرحلة الجديدة بعد الإطاحة بالرئيس السابق نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة.
وبحسب ما أوردته وكالة فرانس برس، فقد جاء هذا الترقب بعد شروع السلطات في الإفراج عن عدد محدود من المعارضين السياسيين، بالتزامن مع إعلان مادورو من محبسه في مدينة نيويورك أنه بخير، وذلك بعد أسبوع على اعتقاله إثر عملية عسكرية أمريكية مفاجئة هزت المشهد السياسي في فنزويلا.
وفاة داخل السجن تثير الغضب
رغم بدء الإفراجات، خيمت أجواء من الحزن والغضب على الأوساط الحقوقية عقب إعلان منظمات غير حكومية معنية بحقوق الإنسان وفاة الشرطي إيديسون خوسي توريس فرنانديز البالغ من العمر 52 عاماً، داخل محبسه يوم أمس السبت، وكان فرنانديز قد اعتقل في شهر ديسمبر بتهمة الخيانة العظمى، وفقاً لما ذكرته لجنة العائلات لتحرير السجناء السياسيين.
وأوضحت المنظمات أن فرنانديز خدم أكثر من 20 عاماً في جهاز الشرطة، وكان يعمل في ولاية بوتوغيزا، قبل أن يتم توقيفه على خلفية نشر رسائل تنتقد النظام السياسي وحاكم الولاية، وأعادت هذه الوفاة إلى الواجهة المخاوف المزمنة بشأن أوضاع السجناء السياسيين وظروف احتجازهم، في وقت تسعى فيه الحكومة الانتقالية إلى تقديم نفسها بوصفها حريصة على طي صفحة الانتهاكات.
إفراجات محدودة وآمال كبرى
كانت السلطات الفنزويلية قد أعلنت يوم الخميس إطلاق سراح عدد كبير من السجناء، بينهم أجانب، وقدمت الخطوة باعتبارها بادرة تهدف إلى تحقيق التعايش السلمي، غير أن أقارب المعتقلين ونشطاء حقوق الإنسان أكدوا أن عدد المفرج عنهم لأسباب سياسية لم يتجاوز نحو 20 شخصاً حتى الآن، وهو ما اعتبروه أقل بكثير من التوقعات والوعود المعلنة.
في المقابل رأت الولايات المتحدة أن هذه الإفراجات جاءت نتيجة مباشرة لتدخلها العسكري والسياسي، خاصة بعد العملية التي نفذتها في 3 يناير وأدت إلى اعتقال مادورو ونقله إلى نيويورك، وهذا التباين في الروايات زاد من تعقيد المشهد، وألقى بظلاله على مصداقية الخطوات المتخذة.
مادورو من السجن: "نحن مقاتلون"
من داخل مركز احتجازه في بروكلين، حاول نيكولاس مادورو إظهار تماسكه، حيث نقل نجله في مقطع فيديو نشره الحزب الحاكم في فنزويلا رسالة قال فيها إن والده وزوجته سيليا فلوريس بخير، مضيفاً نحن مقاتلون، ويحتجز مادورو وزوجته في السجن الفيدرالي منذ مثولهما أمام محكمة أمريكية يوم الاثنين الماضي، حيث دفعا ببراءتهما من التهم الموجهة إليهما، وعلى رأسها الاتجار بالمخدرات، في انتظار الجلسة المقبلة المقررة في 17 مارس.
وفي كراكاس، خرج نحو ألف من أنصاره إلى الشوارع يوم السبت، رافعين لافتات تطالب بعودتهما، ورددوا هتافات تؤكد ولاءهم لهما، وقالت يوسليديس أرويو، 36 عاماً، خلال التظاهرة إن الشعب هنا يناضل، في تعبير عن تمسك شريحة من الفنزويليين بالزعيم الاشتراكي المخلوع.
تعبئة محدودة وانقسام سياسي
رغم الدعوات اليومية للتظاهر دعماً لمادورو منذ العملية الأمريكية، بدت التعبئة الشعبية محدودة نسبياً يوم السبت، إذ غابت الشخصيات البارزة من الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم عن المشهد، ولم تُلق أي كلمات قيادية أمام المحتشدين، وتزامنت التظاهرة مع ذكرى تنصيب مادورو لولاية ثالثة عقب انتخابات 2024 التي وصفتها المعارضة بأنها مزورة، وكانت شرارة لاحتجاجات واسعة في البلاد.
في الوقت ذاته ظهرت الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز في نشاط عام، حيث زارت معرضاً زراعياً في حي بيتاري في كراكاس، شهد بدوره تجمعاً صغيراً مؤيداً لمادورو، وأكدت رودريغيز في تصريحاتها أن السلطات لن تهدأ حتى يعود الرئيس، مضيفة أنهم سينقذونه.
مرحلة انتقالية وعلاقات دولية
أدت ديلسي رودريغيز التي كانت تشغل منصب نائب الرئيس اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة لفنزويلا عقب السقوط المفاجئ لمادورو. ومنذ ذلك الحين، دخلت حكومتها في مفاوضات متعددة المسارات مع واشنطن التي تبدي اهتماماً خاصاً بالاستفادة من احتياطيات النفط الضخمة في فنزويلا.
وقررت الحكومة الانتقالية العمل على استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة التي كانت مقطوعة منذ عام 2019، وبعد زيارة دبلوماسيين أمريكيين إلى كراكاس يوم الجمعة، أكد مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تزال على اتصال وثيق مع السلطات الانتقالية.
تحذيرات أمريكية ورد فنزويلي
في خضم هذه التطورات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة أنه ألغى هجوماً ثانياً كان يعتزم تنفيذه على فنزويلا، بعد الإفراج عن عدد كبير من السجناء السياسيين، على حد تعبيره، وفي المقابل، حثت وزارة الخارجية الأمريكية مواطنيها يوم السبت على عدم السفر إلى فنزويلا، ودعت الموجودين فيها إلى مغادرتها فوراً، معتبرة أن الوضع الأمني غير مستقر.
وأشارت الوزارة إلى وجود جماعات مسلحة تعرف باسم كوليكتيفوس تقيم حواجز وتفتش المركبات بحثاً عن أفراد يدعمون الولايات المتحدة، وردت كراكاس ببيان نفت فيه هذه الروايات، مؤكدة أن التحذير الأمريكي يهدف إلى خلق تصور عن خطر غير موجود، وأن البلاد تنعم بالهدوء والاستقرار.
أمل العائلات وذاكرة السجون
في ظل هذا المشهد المعقد تعيش عشرات العائلات أياماً طويلة من الانتظار أمام السجون، على أمل رؤية أسماء أبنائها ضمن قوائم المفرج عنهم، ويواصل أقارب المعتقلين اعتصاماتهم الليلية والنهارية أمام مراكز احتجاز سيئة السمعة مثل إل هيليكويد الذي تديره أجهزة الاستخبارات، وسجن إل روديو 1 شرق كراكاس، حيث يوقدون الشموع ويرفعون لافتات تحمل أسماء ذويهم.
وتشير منظمات حقوق الإنسان إلى أن نحو 18 سجيناً سياسياً توفوا داخل مراكز الاحتجاز منذ عام 2014، في مؤشر على خطورة الأوضاع الإنسانية داخل السجون، وأكدت المعارضة ومنظمات غير حكومية أن عدد المفرج عنهم حتى الآن بلغ 21 سجيناً فقط، من أصل يتراوح بين 800 و1200 سجين سياسي.
يذكر أن فنزويلا شهدت واحدة من أعنف موجات الاحتجاجات في تاريخها الحديث عقب إعلان فوز نيكولاس مادورو في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وهو ما رفضته المعارضة واعتبرته نتيجة تزوير واسع، وأسفرت تلك الاحتجاجات عن اعتقال نحو 2400 شخص، أُطلق سراح أكثر من 2000 منهم لاحقاً وفق الأرقام الرسمية، ومع سقوط مادورو وتشكيل سلطة انتقالية، عاد ملف السجناء السياسيين إلى الواجهة بوصفه اختباراً حقيقياً لجدية التغيير، وسط مراقبة دولية حثيثة وتطلعات داخلية إلى إنهاء سنوات من القمع والانقسام وبناء مسار سياسي أكثر انفتاحاً وعدالة.











