جراء تلوث الهواء.. أزمة صحية تتفاقم في لبنان مع زيادة حالات السرطان
جراء تلوث الهواء.. أزمة صحية تتفاقم في لبنان مع زيادة حالات السرطان
يشهد لبنان ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بمرض السرطان، ما يشكل أزمة صحية متفاقمة في ظل تدهور البيئة خاصة تلوث الهواء والضغط الاقتصادي المستمر على القطاع الصحي، وفق دراسات علمية دولية وبيانات رسمية.
وذكرت وكالة أنباء الأناضول، الأحد، أن دراسة نُشرت على موقع مجلة "لانسيت" الطبية أفادت بأن لبنان سجّل ارتفاعاً بنسبة 162 بالمئة في معدلات الإصابة بالسرطان، في حين ارتفعت الوفيات المرتبطة بالمرض بنسبة 80 بالمئة بين عامي 1990 و2023، ليبلغ معدل الإصابات 2335 حالة لكل 100 ألف شخص عام 2023، مع توقع أن يكون لبنان الأعلى عالمياً من حيث زيادة الوفيات بحلول عام 2050.
الوضع الرسمي والتغطية الصحية
وعلق وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين على نتائج الدراسة، مؤكداً أن التقديرات العالمية تستند إلى افتراضات إحصائية في ظل غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة حول حالات الوفاة بالسرطان، وأضاف ناصر الدين أن وزارة الصحة رفعت التغطية المالية لأدوية السرطان من مليوني دولار إلى 10 ملايين دولار شهرياً، مع نسبة رفض لا تتجاوز 6 بالمئة، مقتصرة على الحالات غير المستوفية للشروط الطبية.
وحذر الوزير من تزايد معدلات الإصابة في لبنان نتيجة عوامل بيئية وسلوكية، أبرزها التدخين وتلوث الهواء وارتفاع استخدام المولدات الكهربائية، إلى جانب ضعف الإدارة والتنظيم الصحيين، وأوضح أن 230 شخصاً من كل 100 ألف في لبنان يصابون بالسرطان سنوياً، مع تسجيل نحو 14 ألف إصابة سنوياً، 8 آلاف بين النساء و6 آلاف بين الرجال، وفق أرقام وزارة الصحة لعام 2022.
تلوث الهواء وأثره في الصحة
ويربط خبراء البيئة ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بتدهور نوعية الهواء، خصوصاً في العاصمة بيروت، وأوضح الصحفي المتخصص في القضايا البيئية مصطفى رعد أن قطاع النقل والمولدات الكهربائية الخاصة يشكلان المصدر الأساسي لتلوث الهواء في لبنان.
وأضاف أن بيروت تستقبل يومياً نحو 200 ألف سيارة، ويقدر عدد المولدات الكهربائية بنحو 450 ألف مولد في مختلف المناطق، ما يؤدي إلى انبعاث جسيمات دقيقة وغازات ضارة، منها أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين ومركبات الديوكسين والفوران، والتي ثبت علمياً أنها تزيد من احتمالات الإصابة بالسرطان على المدى الطويل.
خفض التلوث وإجراءات مقترحة
وحول سبل الحد من التلوث، شدد رعد على أن الحلول متاحة لكنها تتطلب قراراً سياسياً وتنفيذاً جدياً، ومن أبرز الإجراءات المقترحة تركيب فلاتر على المولدات الكهربائية بحسب قدرتها، وتشجيع استخدام السيارات الكهربائية، وتفعيل المشاركة في استخدام السيارات للحد من كثافة المرور.
وأوضح أن الحل الجذري يكمن في إقرار خطة نقل عام فعالة، تمكن المواطنين من الاستغناء تدريجياً عن السيارات الخاصة وتخفف العبء البيئي والصحي المتفاقم في العاصمة، وأشار إلى أن لبنان يمتلك استراتيجية للحد من تلوث الهواء، لكنها غير مطبقة، كما توقفت مراصد قياس جودة الهواء التي أنشأتها وزارة البيئة منذ 2019 قبل أن يبدأ العمل أخيراً على إعادة تشغيلها.
الإصابات بين الشباب
من جهتها أكدت النائبة اللبنانية وعضوة لجنة البيئة نجاة صليبا أن دراسة لانسيت تعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: السلوكيات الفردية مثل التدخين، ومستويات التلوث البيئي، والعوامل الجينية والتمثيل الغذائي. وأشارت إلى أن لبنان سجل واحداً من أعلى معدلات ارتفاع الإصابة بالسرطان خلال العقود الماضية، مع ملاحظة زيادة الحالات بين الفئات العمرية الشابة، ما ينعكس سلباً على الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
برامج التوعية والدعم الطبي
وأكدت صليبا أهمية تعزيز الطب الوقائي وبرامج التوعية الصحية بدلاً من الاكتفاء بعلاج المرض بعد الإصابة، وأوضحت أن أزمة نقص الأدوية تشكل تحدياً إضافياً، حيث تتلقى يومياً شكاوى من مرضى غير قادرين على الحصول على أدوية السرطان، سواء لعدم توفرها أو ارتفاع أسعارها، إضافة إلى تهريب أدوية غير مراقبة قد تكون مغشوشة أو محفوظة بطرق غير سليمة، ودعت صليبا وزارة الصحة إلى تعزيز التخطيط والإحصاءات الدقيقة لضمان توفير الأدوية الآمنة لجميع المرضى.
وأشارت إلى أن مجلس الوزراء أقر قراراً يُلزم أصحاب المولدات الكهربائية بتركيب فلاتر للحد من الانبعاثات، معتبرة أن القرار خطوة إيجابية، لكنها شددت على ضرورة التطبيق والمتابعة، إلى جانب وضع خطة وطنية شاملة للكهرباء، وأكدت أن الحد من التلوث وتأمين الدواء وتعزيز التوعية الصحية ممكن تحقيقه، لكنه يتطلب إرادة سياسية وإدارة رشيدة لتجنب استمرار ارتفاع معدلات السرطان.
يعاني لبنان منذ عقود ضغوطاً بيئية وصحية متزايدة نتيجة التلوث الناتج عن المولدات الكهربائية وارتفاع عدد المركبات، ما يزيد من خطر الأمراض المزمنة، ومنها السرطان، وتعد الدراسات الدولية، مثل مجلة لانسيت، مرجعاً موثوقاً لتقدير معدلات الإصابة، لكنها تعاني من محدودية البيانات الوطنية الدقيقة، ويواجه القطاع الصحي اللبناني تحديات مزدوجة، إذ يتأثر بالوضع الاقتصادي المتدهور، وقلة الموارد، ونقص الأدوية. وهو ما يزيد من هشاشة المجتمع أمام الأمراض المزمنة. وتوضح التجارب المحلية أن الاستثمار في الوقاية البيئية وبرامج التوعية والرقابة الصارمة على الانبعاثات، يمكن أن يخفف بشكل كبير من تفاقم حالات السرطان، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة الفاعلة.










