غزة تحت المطر.. خيام ممزقة وأرواح معلقة في انتظار الإغاثة
غزة تحت المطر.. خيام ممزقة وأرواح معلقة في انتظار الإغاثة
تحولت الأمطار الغزيرة والرياح العاتية التي ضربت قطاع غزة يوم الجمعة إلى كابوس جديد لمئات آلاف النازحين الذين يعيشون في مخيمات مؤقتة أقيمت على عجل هربا من القصف والحرب المستمرة، لتضيف فصولا جديدة من المعاناة الإنسانية فوق واقع يزداد قسوة مع مرور الوقت.
وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس في تقارير ميدانية من داخل القطاع، فإن العاصفة الجوية تسببت في تدمير أجزاء واسعة من المخيمات الهشة وأغرقت خياما ومساكن مؤقتة، في وقت أكدت فيه بلدية غزة أنها تعمل على مدار الساعة للتعامل مع تداعيات الأمطار رغم النقص الحاد في المعدات والإمكانات.
بلدية غزة أشارت إلى أن طواقمها تحاول فتح مجاري تصريف المياه وتفريغ التجمعات الكبيرة التي غمرت الطرق والمخيمات، إلا أن الدمار الواسع في البنية التحتية وشح الوقود والآليات الثقيلة يجعل هذه الجهود محدودة الأثر، خصوصا في المناطق المكتظة بالنازحين.
في جنوب القطاع، وتحديدا في منطقة المواصي، وجدت عائلات نازحة نفسها في العراء بعد أن اقتلعت الرياح خيامها بالكامل، أم محمد عودة البالغة 45 عاما والنازحة من شمال قطاع غزة كانت واحدة من هؤلاء، إذ أمضت ساعات طويلة تحت المطر بعدما دمرت العاصفة خيمتها وتبللت جميع مقتنياتها البسيطة، في ظل غياب أي بديل يوفر الحد الأدنى من الحماية من البرد والرياح.
معاناة أم محمد لم تكن استثناء، إذ اشتكى نازحون كثر في محيطها من انهيار خيامهم وتسرب المياه إلى أماكن نومهم، ما اضطر بعضهم إلى الاحتماء بقطع بلاستيك مهترئة أو داخل سيارات متهالكة أو قرب مبان مدمرة لم تعد صالحة للسكن.
واقع إنساني يزداد سوءاً
في وسط القطاع، قال محمود زقوت وهو شاب في الثلاثينات نزح من خان يونس إلى مخيم الزوايدة إن الوضع الإنساني يزداد سوءاً مع كل موجة من سوء الأحوال الجوية، موضحاً أن الخيام المقامة لا تقوى على مقاومة الرياح أو الأمطار، وأن عشرات العائلات وجدت نفسها فجأة بلا مأوى بعدما انهارت خيامها، فحاول الناس حماية أنفسهم بما توفر لديهم من وسائل بدائية.
ويعيش مئات الآلاف من سكان غزة في مخيمات مستحدثة أقيمت فوق أراض رملية أو بين أنقاض المباني المدمرة، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة، حيث لا عزل من المطر ولا صرف صحي فعال ولا بنية تحتية قادرة على استيعاب الكثافة السكانية الهائلة.
مشاهد من مخيم الشاطئ
عند أطراف مدينة غزة، وثق مراسل وكالة فرانس برس مشاهد لعائلات تحاول إعادة تثبيت أجزاء من خيامها بعد أن مزقتها الرياح، في حين كان آخرون ينقلون أطفالهم وأغراضهم القليلة بعيداً عن برك المياه التي غمرت مخيم الشاطئ، هناك، يتوزع السكان بين مبان مهدمة بعضها مهدد بالانهيار، ومخيمات مؤقتة تفتقر إلى أدنى معايير الأمان.
وتحولت الأرض الطينية إلى مستنقعات يصعب السير فيها، ما زاد من معاناة كبار السن والمرضى والأطفال، وعوق وصول أي مساعدات طارئة في ظل ظروف أمنية ولوجستية شديدة التعقيد.
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا أفاد يوم الثلاثاء بأن عواصف شهر ديسمبر تسببت بأضرار لنحو 65 ألف منزل ومأوى مؤقت في قطاع غزة، وأن بعض المخيمات غرقت بالكامل بالمياه، ما أجبر سكانها على النزوح مجددا بحثا عن أماكن أقل خطورة.
وأشار المكتب إلى أن تكرار العواصف في ظل هذا الواقع يزيد من المخاطر الصحية والإنسانية، ومنها انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة والبرد القارس، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.
قيود تعمق الأزمة
منظمات غير حكومية عاملة في المجال الإنساني أعربت عن مخاوفها من تدهور الأوضاع بشكل أكبر، مشيرة إلى أن إدخال المساعدات إلى قطاع غزة يواجه صعوبات كبيرة بسبب القيود المفروضة على المعابر، إضافة إلى التحديات الأمنية ونقص التمويل.
وأكدت هذه المنظمات أن الاحتياجات تتجاوز بكثير ما يتم إدخاله من خيام ومواد إغاثية، وأن آلاف العائلات ما زالت دون مأوى فعلي يحميها من تقلبات الطقس، في وقت يقترب فيه فصل الشتاء من ذروته.
وتركت الحرب أثرا عميقا في حياة سكان غزة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع المباني في القطاع دمرت كليا أو جزئيا، وأن معظم السكان نزحوا مرة واحدة على الأقل منذ اندلاع الحرب في 07 أكتوبر 2023.
وبينما كان النزوح في بدايته هربا من القصف، بات اليوم رحلة مفتوحة من مكان إلى آخر بحثا عن مأوى مؤقت، يتبدد مع أول عاصفة أو موجة برد، ما يعمق الإحساس بانعدام الأمان وفقدان الأمل.
يعاني قطاع غزة من أزمة إنسانية غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في 07 أكتوبر 2023، حيث أدى القصف الواسع والعمليات العسكرية إلى تدمير البنية التحتية والمنازل والمرافق الأساسية، ما أجبر مئات الآلاف على العيش في مخيمات مؤقتة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ومع دخول فصل الشتاء، تتحول الأمطار والعواصف إلى عامل خطر إضافي يهدد حياة النازحين، في ظل محدودية المساعدات وصعوبة إدخال مواد الإغاثة، لتتداخل الكارثة الطبيعية مع تداعيات الحرب وتعمق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في المنطقة.











