مع توغل الذكاء الاصطناعي.. عمدة لندن يحذّر من حقبة "البطالة الجماعية"
مع توغل الذكاء الاصطناعي.. عمدة لندن يحذّر من حقبة "البطالة الجماعية"
حذّر عمدة لندن، صادق خان، من أن الذكاء الاصطناعي قد يُهدد بتدمير أعداد هائلة من الوظائف في العاصمة، مؤكدًا أنه يُمكن أن "يدخلنا في حقبة جديدة من البطالة الجماعية" إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات استباقية، بحسب ما نقلته فايننشال تايمز.
وأشار خان في خطاب سيُلقيه مساء الخميس في مانشن هاوس خلال العشاء الحكومي السنوي، إلى أن لندن "على حافة التغيير" بسبب اعتمادها الكبير على وظائف ذوي الياقات البيضاء في قطاعات التمويل والخدمات المهنية والصناعات الإبداعية.
وأكد العمدة أن "علينا واجبًا أخلاقيًا واجتماعيًا واقتصاديًا للتحرك"، مشددًا على أن غياب التدخل سيؤدي إلى اختفاء الوظائف القديمة بوتيرة أسرع من استحداث الوظائف الجديدة، وأن وظائف المبتدئين ستكون الأكثر عرضة للفقدان، ما يحرم الشباب من أولى خطواتهم الحاسمة على سلم التطور الوظيفي.
وأطلق العمدة صادق خان فريق عمل معنياً بالذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل، ضم خبراء من القطاعين الحكومي والصناعي، لدراسة الأثر المحتمل للتغير التكنولوجي على سوق العمل في لندن، كما أعلنت البلدية عن تقديم دورات تدريبية مجانية لسكان العاصمة في مجال الذكاء الاصطناعي، لتعزيز المهارات واستباق المخاطر الوظيفية، وفق "سكاي نيوز".
فرص التكنولوجيا ومخاطرها
أوضح عمدة لندن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في مواجهة تحديات متعددة، بدءًا من تحسين الخدمات العامة وصولًا إلى مواجهة مشاكل معقدة مثل تغير المناخ، ورفع الإنتاجية إلى مستويات قياسية، ومع ذلك، شدد على أن استخدام التكنولوجيا بتهور قد يؤدي إلى حقبة جديدة من البطالة الجماعية، وتفاقم عدم المساواة، وتركيز غير مسبوق للثروة والسلطة.
وأشار العمدة إلى أنه أمام الحكومة خيارين: اغتنام إمكانات الذكاء الاصطناعي لتحقيق تحول إيجابي وخلق فرص جديدة، أو الاستسلام له ومراقبة تحوّله إلى سلاح يُدمّر الوظائف.
وأضاف أن التقديرات تشير إلى أن نصف العاملين في لندن قد يتأثرون بالذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الاثني عشر القادمة.
وذكر اقتصاديون، وفق "فايننشال تايمز"، أن بعض الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي، مثل داريو أمودي من شركة أنثروبيك، يتوقعون أن تؤدي التكنولوجيا إلى انهيار الوظائف في مجالات القانون والاستشارات والتمويل، مع احتمال إلغاء نصف وظائف المبتدئين، وأكد سام ألتمان من شركة أوبن إيه آي أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على فئات كاملة من الوظائف، مثل خدمة العملاء.
ورصدت دراسة مجموعة سيتي غروب أن الذكاء الاصطناعي قد يُؤتمت 54% من الوظائف المصرفية، وخاصة وظائف الدعم الإداري وتحليل البيانات.
وفي المقابل، وجد بعض الاقتصاديين أن التحذيرات مبالغ فيها، إذ أظهرت دراسة مختبر الميزانية بجامعة ييل ومعهد بروكينغز أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تُحدث بعد تأثيرًا كبيرًا على سوق العمل الأمريكي، ولم تُسجَّل حتى الآن خسائر وظيفية كبيرة.
الشباب وسوق العمل
أكد خان أن وظائف المبتدئين ستكون الأكثر عرضة للإلغاء أولًا، وهو ما قد يعوق دخول الشباب إلى سوق العمل، ويزيد من هشاشة حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن القطاعات الكبرى المتأثرة تشمل التمويل والخدمات المهنية والصناعات الإبداعية، ما يجعل العاصمة في وضع حرج من الناحية الحقوقية والاجتماعية.
أشار العمدة إلى ضرورة تنظيم سريع وفعّال للذكاء الاصطناعي، لضمان دمج المهارات الجديدة في جميع مستويات القوى العاملة، وتزويد الجيل القادم بالأدوات التي يحتاجون إليها للنجاح، والحفاظ على حقوقهم في العمل الكريم، وحماية التوازن بين الإنتاجية وحقوق العمال، وفقا لـ"سكاي نيوز".
أكد خان أن التاريخ علّمنا أن غياب التنظيم في التقنيات الثورية، مثل ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، أدى إلى أزمات في الصحة النفسية للشباب وارتفاع معدلات الإساءة الرقمية، وبالتالي فإن التهاون في الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية واجتماعية مشابهة أو أكبر.
التحديات الأخلاقية والاجتماعية
نبّه عمدة لندن إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول ليس مجرد قضية تقنية، بل حقاً من حقوق الإنسان في العمل والعدالة الاقتصادية، موضحا أن هناك حاجة ماسة لسياسات تحمي العاملين من الأتمتة العشوائية، وتحد من تضخيم عدم المساواة، وتحافظ على فرص التعليم والتدريب، وتعزز الحماية الاجتماعية للعمال المتضررين.
وأشار إلى أن تزايد الأتمتة قد يخلق فجوات جديدة في سوق العمل، ما يستدعي تحركًا عاجلًا من الدولة لتوفير آليات حماية، ودعم إعادة تدريب القوى العاملة، وحماية الشباب من فقدان أولى فرصهم الوظيفية، معتبرا أن لندن، كونها مركزًا عالميًا للابتكار، تتحمل مسؤولية مزدوجة: قيادة الثورة التكنولوجية مع الحفاظ على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسكانها.
أعلن خان أن فريق العمل الجديد للذكاء الاصطناعي سيتابع دمج مهارات الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات، ويضع توصيات واضحة لضمان استفادة المجتمع من التكنولوجيا مع الحد من المخاطر الاجتماعية.
وأوضح أن المبادرة تشمل تقديم دورات تدريبية مجانية لجميع سكان لندن، بما يعزز فرصهم ويضمن حقوقهم في الوصول إلى المعرفة والمهارات الحديثة.
سلاح تدمير للوظائف
كما أشار إلى أن الاختيار بين استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة إيجابية أو سلاح تدمير للوظائف يمثل مسؤولية أخلاقية وقانونية واجتماعية كبيرة، ويجب أن يكون جزءًا من السياسات العامة في لندن، لضمان عدم انتهاك حقوق العمال وخلق سوق عمل متوازن ومستدام.
وشدد على أن هذه التكنولوجيا قد تُؤثر بشكل هائل على سوق العمل، ما يجعل من الضروري تحرك الحكومة بشكل استباقي لحماية حقوق العمال والجيل القادم.
وأضاف أن لندن يجب أن تصبح نموذجًا عالميًا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، عبر تنظيم المسؤولية والحقوق والمهارات معًا، بحيث يتم دمج التكنولوجيا بشكل آمن وعادل، ويظل العمل حقًا أساسياً لجميع سكان العاصمة.










