تهديد بتوسيع الإضرابات.. احتقان اجتماعي في ألمانيا مع تصاعد النزاع حول الأجور

تهديد بتوسيع الإضرابات.. احتقان اجتماعي في ألمانيا مع تصاعد النزاع حول الأجور
احتجاجات في ألمانيا بسبب الأجور

تدخل أزمة الأجور في القطاع العام الألماني مرحلة أكثر حساسية، مع تلويح النقابات بتوسيع نطاق الإضرابات التحذيرية في عدد من الولايات، بعد تعثر المفاوضات مع ممثلي حكومات الولايات، ويعكس هذا التصعيد حالة احتقان متزايدة بين أكثر من مليوني موظف حكومي يشعرون بتآكل قدرتهم الشرائية في ظل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وبين أرباب العمل الذين يصرون على محدودية إمكاناتهم المالية.

تحذير مباشر من النقابات

في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، الخميس، أكد فولكر جاير رئيس اتحاد موظفي الخدمة العامة في ألمانيا أن استمرار رفض الولايات تقديم عرض واضح سيجبر النقابات على توسيع إجراءاتها بشكل كبير خلال الأسابيع المقبلة، وأوضح أن النقابات لم تعد ترى جدوى في الاكتفاء بإضرابات رمزية، في ظل ما وصفه بغياب الجدية في التعامل مع مطالب الموظفين.

تتواصل اليوم في مدينة بوتسدام جولة جديدة من المفاوضات بين نقابة فيردي التي تمثل العاملين في قطاع الخدمات من جهة، وممثلي حكومات الولايات من جهة أخرى، ورغم الآمال التي علقت على هذه الجولة، فإن المؤشرات الأولية لا توحي بتحقيق اختراق حقيقي، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية.

قطاعات حيوية مهددة بالإضراب

بحسب ما أعلنه فولكر جاير، فإن توسيع الإضرابات قد يشمل قطاعات شديدة الحساسية في ألمانيا، مثل المستشفيات الجامعية وخدمات إزالة الثلوج والموظفين العاملين في المدارس، ويثير هذا الاحتمال قلقا واسعا لدى الرأي العام، نظرا لما قد يترتب عليه من تعطيل مباشر للخدمات الأساسية، خاصة في فصل الشتاء.

تطالب نقابة فيردي واتحاد موظفي الخدمة العامة بزيادة الأجور بنسبة 7 في المئة على الأقل، أو رفع الرواتب بما لا يقل عن 300 يورو شهريا، وهو ما سيشمل أكثر من 920 ألف موظف يخضعون للاتفاق الجماعي الحالي، وترى النقابات أن هذه المطالب تمثل الحد الأدنى المقبول لتعويض الخسائر التي تكبدها الموظفون خلال السنوات الماضية.

رفض حكومي بدعوى عدم القدرة

في المقابل، ترفض هيئة التفاوض الخاصة بالولايات الألمانية هذه المطالب، معتبرة أنها غير قابلة للتنفيذ في ظل الأوضاع المالية الراهنة، وتشير حكومات الولايات إلى الضغوط الكبيرة على الميزانيات العامة، وارتفاع الإنفاق في مجالات أخرى مثل الطاقة والبنية التحتية والدفاع، ما يحد من قدرتها على الاستجابة لمطالب الزيادة.

تشمل المفاوضات الجارية أكثر من مليوني موظف في القطاع العام على مستوى الولايات، ومن المنتظر أن تنعكس نتائجها بشكل مباشر على نحو 1.3 مليون  موظف حكومي، باستثناء ولاية هيسن التي تعتمد اتفاقية مستقلة، ويجعل هذا الحجم الكبير من الموظفين النزاع الحالي واحدا من أبرز الملفات الاجتماعية في ألمانيا خلال الفترة الحالية.

في الوقت الذي تحذر فيه النقابات من انفجار اجتماعي إذا استمر تجاهل مطالب الموظفين، ترى بعض القوى السياسية أن أي تنازل واسع قد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة في قطاعات أخرى، ما قد يثقل كاهل المالية العامة. هذا التباين يعكس صعوبة الوصول إلى حل وسط يرضي جميع الأطراف.

مظاهرات مرافقة للمفاوضات

تزامنا مع انعقاد جولة المفاوضات الحالية، أعلنت النقابات عن تنظيم مظاهرة يشارك فيها مئات الموظفين بالقرب من الفندق الذي تستضيف فيه المحادثات في بوتسدام، وتهدف هذه التحركات إلى زيادة الضغط على المفاوضين وإيصال رسالة واضحة بأن القاعدة العمالية لم تعد تقبل بسياسة المماطلة.

من المقرر أن تستمر الجولة الثانية من المفاوضات حتى يوم الجمعة، على أن تلتقي الأطراف مجددا في منتصف فبراير في بوتسدام، في جولة توصف بالحاسمة، وتراهن النقابات على أن يؤدي تصاعد الضغط الميداني إلى تغيير موقف الولايات، بينما لا تزال الأخيرة تأمل في التوصل إلى تسوية أقل كلفة.

أزمة أعمق من مجرد أرقام

يرى مراقبون أن النزاع الحالي يتجاوز مسألة نسب الزيادة والأرقام المالية، ليعكس شعورا عاما لدى العاملين في القطاع العام بعدم التقدير، خاصة بعد الأدوار التي لعبوها خلال الأزمات الصحية والاقتصادية الأخيرة. ويشير هؤلاء إلى أن فشل المفاوضات قد يؤدي إلى تراجع الثقة بين الموظفين والدولة كمشغل رئيسي.

يأتي نزاع الأجور في ألمانيا في سياق اقتصادي معقد، يشهد ارتفاعا في معدلات التضخم وزيادة ملحوظة في تكاليف السكن والطاقة والغذاء، ما أثر بشكل مباشر على مستويات المعيشة، ورغم أن الاقتصاد الألماني يعد الأكبر في أوروبا، فإن تباطؤ النمو والالتزامات المالية المتزايدة يضعان الحكومات المحلية تحت ضغط كبير، وفي هذا الإطار، أصبحت مفاوضات الأجور في القطاع العام اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على تحقيق توازن بين الاستقرار المالي والحفاظ على السلم الاجتماعي، وسط مخاوف من أن يؤدي أي فشل إلى موجة إضرابات واسعة تنعكس آثارها على حياة المواطنين والاقتصاد على حد سواء.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية