من عفرين إلى حلب.. نزوح يتكرر وشهادات تكشف استهدافاً مخططاً للمكونات السورية

من عفرين إلى حلب.. نزوح يتكرر وشهادات تكشف استهدافاً مخططاً للمكونات السورية
النزوح القسري من حلب

أكدت نازحات من عفرين أن الهجمات التي استهدفت الأحياء الكردية في مدينة حلب خلال الفترة الأخيرة لم تكن أحداثا عابرة أو مواجهات محدودة، بل جاءت ضمن حرب ممنهجة ومخططة تستهدف الكرد وبقية المكونات السورية، في مشهد يعيد إلى الذاكرة سنوات طويلة من المجازر والانتهاكات وسط صمت دولي يزيد من عمق الجرح الإنساني.

وبحسب شهادات ميدانية نقلتها وكالة أنباء المرأة الجمعة، فقد شهدت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية واحدة من أعنف الهجمات منذ سنوات، حيث استخدمت فيها أسلحة ثقيلة واستهدفت مناطق مدنية مكتظة بالسكان، ما أسفر عن سقوط ضحايا ودمار واسع في البنية التحتية، في تكرار لمشاهد عرفتها مناطق سورية أخرى خلال مراحل سابقة من النزاع.

هجمات تطول المدنيين

الهجمات الأخيرة لم تقتصر على خطوط الاشتباك أو المواقع العسكرية، بل طالت المدنيين بشكل مباشر، واستهدفت المستشفيات والمرافق الحيوية، ما فاقم من معاناة السكان المحاصرين منذ سنوات، كما أثارت مشاهد التمثيل بجثامين مقاتلات، من بينهن دنيز جيا، صدمة واسعة وغضبا عميقا في الأوساط الشعبية، باعتبارها انتهاكا صارخا لكل القيم الإنسانية والأعراف الدولية.

سميرة بكر، وهي نازحة من عفرين تقيم حاليا في لبنان، رأت أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية يعكس حربا تدار بعقول باردة وأجندات خارجية، مؤكدة أن سقوط نظام بشار الأسد لم يفتح الباب أمام الحرية كما كان يأمل كثيرون، بل أدى إلى إعادة إنتاج العنف والطائفية بأساليب أكثر قسوة وعلنية.

وتقول إن ما وصفته بتسليم الحكم لأحمد الشرع بدعم مباشر من تركيا جعل من الجماعات الجهادية أداة لتنفيذ سياسات إقليمية، معتبرة أن الجرائم التي كانت تُرتكب سابقا في الخفاء باتت اليوم تمارس على مرأى العالم دون أي مساءلة.

طائفية تتجدد تحت شعارات جديدة

وترى بكر أن المرحلة الجديدة أعادت الطائفية إلى الواجهة، وأصبح السلاح وسيلة لإدارة المشهد السياسي والاجتماعي، محذرة من أن استهداف الكرد يرتبط أيضا بثروات المنطقة وموقعها الاستراتيجي، وتتساءل عن دوافع التدخل التركي في الداخل السوري، معتبرة أن الهدف الأساسي هو إقصاء الكرد ومنع أي مشروع ديمقراطي مستقل.

وأشارت إلى المجازر التي ارتكبت بحق العلويين في الساحل السوري، ثم تكرار الانتهاكات بحق الدروز، والتي جرى توصيفها رسمياً على أنها حوادث فردية، متسائلة عن قدرة أي حكومة على ضبط جماعات مسلحة تابعة لها إذا كانت عاجزة عن منع هذه الجرائم.

اتفاق لم يوقف المعاناة

وبحسب شهادتها، فإن اتفاق 10 مارس الذي نص على خروج قوات سوريا الديمقراطية من الشيخ مقصود والأشرفية في حلب والإبقاء على قوات الأمن المحلية لحماية المدنيين، لم ينهِ معاناة السكان، إذ تواصلت الهجمات على الأحياء السكنية والمرافق الطبية بذريعة ملاحقة قوات عسكرية، في حين أن معظم المقاتلين هم من أبناء المنطقة نفسها.

وأعربت بكر عن استنكارها الشديد للتمثيل بالجثامين، معتبرة أن هذه الأفعال تهدف إلى بث الرعب وزرع الفتنة بين الأهالي، بعد سنوات طويلة من العيش المشترك بين مختلف المكونات دون تمييز.

في ختام حديثها، أكدت سميرة بكر أن الكرد لن يتخلوا عن أرضهم ولن يستسلموا، مشددة على أن المقاومة ستستمر حتى استعادة الحقوق والأراضي، وداعية إلى التمسك بخيار السلام الحقيقي القائم على العدالة والكرامة الإنسانية، بعيداً عن منطق السلاح والعنف.

صدمة كبرى من الوعود

من جهتها، أعربت زينب خليل، وهي نازحة أخرى من عفرين تقيم في لبنان، عن صدمتها من حجم المجازر التي ارتكبت في الشيخ مقصود والأشرفية، معتبرة أن الحكومة المؤقتة وضعت نفسها في مأزق بعدما أخفقت في الوفاء بوعودها بإحلال السلام ووقف النزيف.

وتساءلت خليل عما إذا كانت هذه السياسات قد أسهمت في إعادة بناء سوريا، أم أنها حولتها إلى ساحة لسلطة متشددة تمارس القتل والانتهاكات بحق شعبها، مطالبة المنظمات الدولية والجهات المعنية بحقوق الإنسان بالتحرك العاجل.

هجوم يكشف الخوف لا القوة

وترى خليل أن الهجوم الواسع من الحكومة المؤقتة باستخدام أعداد كبيرة من المسلحين والعتاد الثقيل لا يعكس قوة، بل خوفاً من صمود الأهالي وتمسكهم بأرضهم، معتبرة أن ما جرى يحمل بصمات تداخل إقليمي ودولي واضح.

وأضافت أن القتل في الحروب أمر مأساوي لكنه واقع، إلا أن التمثيل بجثامين المقاتلات يكشف مستوى غير مسبوق من الوحشية، مؤكدة أن السياسات المتبعة اليوم تكرر ما حدث سابقا في عفرين ورأس العين وكري سبي.

وتشدد على دعمها الكامل لقوات سوريا الديمقراطية، معتبرة أن أبناء هذه القوات هم أبناء الشعب، وأن ما جرى لم يكن هزيمة بل محطة خرج منها الأهالي أكثر صلابة وإصراراً.

نزوح يتكرر وجرح لا يندمل

النازحة كيبار عبدو استحضرت بدورها سلسلة الانتهاكات السابقة، من اغتيال هفرين خلف والتمثيل بجثمانها إلى ما جرى مع بارين كوباني، مؤكدة أن الجرائم الحالية ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من العنف.

وتساءلت عبدو عن أسباب الصمت الدولي تجاه ما يحدث في سوريا، معتبرة أن هذا الصمت يشجع على ارتكاب المزيد من المجازر، كما روت كيف أُجبرت على النزوح مع عائلتها من عفرين إلى الشهباء، قبل أن تتكرر المأساة مجددا.

وأكدت أن المشهد ذاته يتكرر اليوم في الشيخ مقصود والأشرفية، وهما حيان عاشا سنوات طويلة تحت حصار خانق، رغم أن سكانهما كانوا يديرون شؤونهم بأنفسهم في إطار من التعايش المشترك.

وختمت عبدو بالتأكيد على أن الكرد لا يسعون إلى الحرب، بل إلى بناء نظام ديمقراطي لا مركزي يضمن العدالة والمساواة لكل المكونات السورية، معتبرة أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يولد من رحم المجازر والصمت الدولي.

تعد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية من أبرز المناطق الكردية في مدينة حلب، وقد شكلت منذ سنوات ملاذا لعشرات آلاف النازحين من مناطق سورية مختلفة، لا سيما من عفرين بعد سيطرة فصائل مدعومة من تركيا عليها في 2018، وشهدت هذه الأحياء حصارات وهجمات متكررة خلال مراحل متعددة من النزاع السوري، وسط تعقيدات سياسية وعسكرية إقليمية ودولية، ومع استمرار غياب حل سياسي شامل، تتكرر مشاهد النزوح والانتهاكات، ما يضع المدنيين في دائرة الخطر الدائم ويطرح تساؤلات متجددة حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية السكان وضمان حقوقهم الأساسية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية