مركز حقوقي يحذر من إبادة مستمرة في غزة وكلفة إنسانية تتجاوز حدود الحرب
مركز حقوقي يحذر من إبادة مستمرة في غزة وكلفة إنسانية تتجاوز حدود الحرب
يواصل قطاع غزة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، دفع ثمن حرب مدمرة خلّفت أكثر من 242000 شخص بين قتيل وجريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11000 مفقود، ومئات آلاف النازحين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسائر البشرية، بل تختصر مأساة مجتمع كامل يعيش تحت القصف والجوع والحرمان، في ظل دمار واسع أدى إلى محو معظم مدن ومناطق القطاع من الخريطة.
ما بعد وقف إطلاق النار
وذكر مركز غزة لحقوق الإنسان، في بيان صدر اليوم الاثنين، أن المتابعة الميدانية اليومية التي يجريها تظهر أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يوفر حماية حقيقية للمدنيين في قطاع غزة، بل جرى التعامل معه كإطار شكلي استُخدم غطاء لاستمرار عمليات القتل والاستهداف والتجويع التي تنفذها القوات الإسرائيلية، مع حرمان السكان من أبسط مقومات الحياة الأساسية.
وأوضح المركز أن القوات الإسرائيلية قتلت خلال 99 يوما من سريان اتفاق وقف إطلاق النار 479 شخصا، وأصابت 1280 آخرين، بمعدل يقارب 5 قتلى و13 جريحا يوميا، وبيّن أن 91.9 في المئة من القتلى هم من المدنيين، فيما شكّل الأطفال والنساء وكبار السن نسبة 51.6 في المئة من إجمالي الضحايا، ما يعكس الطابع المدني الواضح للخسائر البشرية، كما أشار إلى أن نسبة المدنيين بين المصابين بلغت 99.2 في المئة، وأن جميع الإصابات وقعت داخل مناطق يفترض أنها مشمولة بالحماية وفقا لبنود الاتفاق.
انتهاكات يومية بلا استثناء
وفي سياق متصل، وثّق مركز غزة لحقوق الإنسان 1285 خرقا ميدانيا خلال الفترة ذاتها، بمعدل 13 خرقا يوميا، شملت القصف الجوي والمدفعي، وإطلاق النار، وتوغلات الآليات العسكرية، ونسف المنازل، وتنفيذ حملات اعتقال، وأكد المركز أنه لم يمر يوم واحد دون تسجيل خرق، معتبرا أن هذا الواقع يفرغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه، ويحوله إلى أداة لإدارة القتل بدلا من إيقافه.
مساعدات أقل من نصف المتفق عليه
أما على صعيد الوضع الإنساني فأوضح المركز أن إسرائيل لم تلتزم بالكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية، إذ لم يدخل إلى قطاع غزة سوى 260 شاحنة يوميا في المتوسط، وهو ما لا يتجاوز 43.3 في المئة من العدد المنصوص عليه، كما لم تتعد شاحنات الوقود نسبة 12.9 في المئة من الاحتياج المطلوب، ما أدى إلى شلل واسع في المرافق الصحية، وتراجع حاد في خدمات المياه والصرف الصحي، وتفاقم الجوع بين السكان، خصوصا الأطفال.
وأشار المركز إلى أن هذا النقص الحاد في المساعدات انعكس بصورة مباشرة على حياة أكثر من مليوني شخص، في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة تستخدم المساعدات الإنسانية كوسيلة ضغط وعقاب جماعي، ومع تعطل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز، تحولت الحياة اليومية في غزة إلى صراع من أجل البقاء، حيث بات الحصول على الغذاء أو العلاج مسألة حياة أو موت.
وأكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن ما يجري لا يمكن اعتباره خروقات منفصلة أو أحداثا معزولة، بل يشكل نمطا متكاملا من الممارسات التي ترقى إلى جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف، واعتبر أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياق أوسع لجريمة إبادة جماعية مستمرة بحق سكان قطاع غزة، محذرا من أن الصمت الدولي واستمرار سياسة الإفلات من العقاب يسهمان بشكل مباشر في تمكين إسرائيل من مواصلة هذه الجرائم.
وطالب المركز المجتمع الدولي باتخاذ تحرك فوري وفاعل لفرض وقف حقيقي لإطلاق النار، وضمان حماية المدنيين دون استثناء، وتأمين إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود، ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين وشركائهم على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، معتبرا أن أي تأخير إضافي يعني سقوط مزيد من الضحايا الأبرياء.
واقع إنساني يتجاوز الأرقام
ورغم كثافة الأرقام والإحصاءات، يؤكد عاملون في المجال الإنساني أن المأساة في غزة لا تختصر بالأعداد وحدها، فخلف كل رقم قصة عائلة فقدت أبناءها، أو طفل حرم من مدرسته، أو أم تبحث عن لقمة تسد بها جوع أطفالها، ومع استمرار القصف ونقص الغذاء والدواء، تتعمق آثار الحرب النفسية والاجتماعية، مهددة جيلا كاملا بمستقبل غامض.
يأتي هذا التصعيد في سياق حرب مستمرة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، اندلعت على خلفية تطورات أمنية وسياسية معقدة، وأسفرت عن واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث للقطاع، ويخضع غزة منذ سنوات لحصار مشدد أثر بشكل مباشر على البنية التحتية والاقتصاد والخدمات الأساسية، ومع اندلاع الحرب، تفاقمت الأوضاع بصورة غير مسبوقة، حيث تعرضت المستشفيات والمدارس ومخيمات النازحين لأضرار جسيمة، فيما واجه السكان نقصا حادا في الغذاء والمياه والوقود، وعلى الرغم من الإعلان عن اتفاقات متكررة لوقف إطلاق النار، تشير تقارير حقوقية إلى أن هذه الاتفاقات لم تنجح في وقف الانتهاكات أو تخفيف المعاناة الإنسانية، ما يطرح تساؤلات جدية حول فاعلية المجتمع الدولي وقدرته على حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.











