وضع قيوداً صارمة.. البرلمان الفرنسي يصوت لحماية القصر من مخاطر المنصات الرقمية

وضع قيوداً صارمة.. البرلمان الفرنسي يصوت لحماية القصر من مخاطر المنصات الرقمية
وسائل التواصل الاجتماعي

خطت فرنسا خطوة تشريعية بارزة نحو إعادة ضبط علاقة الأطفال بوسائل التواصل الاجتماعي، بعدما أيدت الجمعية الوطنية الفرنسية الاثنين مشروع قانون يهدف إلى حظر استخدام هذه المنصات على من هم دون سن 15 عاماً، في ظل تصاعد القلق المجتمعي والرسمي من آثارها النفسية والسلوكية في القصر، ويأتي هذا التوجه في سياق نقاش أوسع تشهده دول عدة حول مسؤولية الحكومات في حماية الأطفال من الفضاء الرقمي غير المنضبط.

وذكرت وكالة رويترز الثلاثاء أن مشروع القانون يحظر استخدام الأطفال دون سن 15 شبكات التواصل الاجتماعي وخصائص الشبكات الاجتماعية داخل المنصات الرقمية الكبرى، في خطوة تعكس تنامي المخاوف من التأثيرات السلبية لهذه المنصات في الصحة العقلية والسلوك الاجتماعي للمراهقين، وصوت لمصلحة المشروع 116 نائباً مقابل 23 صوتاً معارضاً، ما يعكس غالبية برلمانية داعمة للتشريع.

تفاصيل التشريع ومساره البرلماني

ينص مشروع القانون على منع وصول القصر دون 15 عاماً إلى شبكات التواصل الاجتماعي، ومنها الخصائص التفاعلية ذات الطابع الاجتماعي داخل المنصات الأوسع، وبعد إقراره في الجمعية الوطنية سيحال المشروع إلى مجلس الشيوخ الفرنسي لمناقشته قبل العودة إلى الجمعية الوطنية للتصويت النهائي عليه، في مسار تشريعي متوقع أن يستكمل خلال الفترة القريبة المقبلة.

يحظى المشروع بدعم واضح من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سبق أن أشار مراراً إلى وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها أحد العوامل المسهمة في تصاعد العنف بين الشباب وتدهور بعض المؤشرات السلوكية لديهم، ودعا ماكرون فرنسا إلى الاقتداء بتجربة أستراليا، معتبراً أن الحزم التشريعي بات ضرورياً في مواجهة ما يصفه بآثار رقمية مقلقة في الأجيال الناشئة.

دخل الحظر الذي أقرته أستراليا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً حيز التنفيذ في ديسمبر 2024، ليصبح أول إجراء من نوعه على مستوى العالم يشمل منصات كبرى مثل فيسبوك وسناب شات وتيك توك ويوتيوب، وقد شكل هذا القرار سابقة دولية شجعت حكومات أخرى على دراسة إجراءات مماثلة، ومنها فرنسا.

سباق مع الزمن قبل العام الدراسي

يسعى الرئيس الفرنسي إلى تطبيق الحظر قبل بدء العام الدراسي المقبل في سبتمبر 2026، في محاولة لربط التشريع بسياسات أوسع لحماية الأطفال داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، ويرى مؤيدو المشروع أن توقيت التنفيذ يحمل دلالة رمزية وعملية، إذ يمنح العائلات والمدارس إطاراً واضحاً للتعامل مع استخدام الأطفال للهواتف الذكية والمنصات الرقمية.

لا يقتصر الجدل حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي على فرنسا وحدها، إذ تدرس دول أوروبية عدة خطوات مشابهة، منها بريطانيا والدنمرك وإسبانيا واليونان، ويعكس هذا التوجه قناعة متنامية لدى صناع القرار الأوروبيين بأن ترك مسألة استخدام الأطفال للمنصات الرقمية دون ضوابط لم يعد خياراً مقبولاً في ظل الأدلة المتزايدة على آثارها السلبية.

تأييد سياسي وشعبي 

يحظى مشروع القانون الفرنسي بدعم سياسي وشعبي ملحوظ، حيث تشير استطلاعات وآراء عامة إلى تأييد واسع لفكرة الحد من وصول القصر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ويرى مؤيدو المشروع أن حماية الصحة النفسية للأطفال تتقدم على اعتبارات حرية الاستخدام الرقمي، في حين يعد معارضون الحل يكمن في التوعية لا في المنع الكامل.

يُلزم التشريعُ المقترح المنصات الرقمية بتطبيق آليات فعالة للتحقق من العمر بما يتوافق مع قوانين الاتحاد الأوروبي المتعلقة بحماية البيانات والخصوصية، ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان منع وصول القصر دون السن القانونية إلى المنصات، مع تحميل الشركات التقنية مسؤولية قانونية مباشرة عن أي إخفاق في تطبيق الحظر.

تحديات التطبيق والرقابة

رغم الدعم الواسع للمشروع، تثار تساؤلات حول كيفية تطبيق الحظر عملياً، خاصة في ظل قدرة الأطفال على التحايل على أنظمة التحقق من العمر، ويؤكد خبراء في الشؤون الرقمية أن نجاح التشريع سيعتمد إلى حد كبير على تعاون المنصات التقنية وتطوير أدوات تحقق أكثر دقة، إضافة إلى دور الأسرة والمدرسة في المراقبة والتوجيه.

شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في التحذيرات الطبية والتربوية من تأثير الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين، حيث ربطت دراسات متعددة بين هذه المنصات وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وتراجع التركيز الدراسي. وفي فرنسا تصاعد النقاش العام حول هذه القضية بعد حوادث عنف بين شبان وأحداث مدرسية أعادت تسليط الضوء على دور المحتوى الرقمي في تشكيل سلوك القصر.

 ويأتي مشروع القانون الحالي بوصفه جزءاً من توجه أوسع لإعادة تنظيم الفضاء الرقمي، يوازن بين حرية الاستخدام وحماية الفئات الأكثر هشاشة، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية اجتماعية كبرى تجاه المستخدمين الأصغر سناً.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية