المرضى يدفعون الثمن.. نزاعات العمل وإضرابات الأجور تهز المستشفيات الجامعية الألمانية
المرضى يدفعون الثمن.. نزاعات العمل وإضرابات الأجور تهز المستشفيات الجامعية الألمانية
ألقى النزاع العمالي المتصاعد حول الأجور في القطاع العام بظلاله الثقيلة على المرضى في المستشفيات الجامعية في مختلف أنحاء ألمانيا، حيث تسببت الإضرابات التحذيرية في تعطيل جزئي لسير العمل اليومي، وخلقت حالة من القلق لدى المرضى وعائلاتهم، في وقت تؤكد فيه النقابات أن هذه التحركات باتت الخيار الأخير للضغط من أجل تحسين أوضاع العاملين، وبينما تحاول إدارات المستشفيات احتواء الآثار، يجد المرضى أنفسهم عالقين بين حقهم في العلاج وحق العاملين في أجر عادل وظروف عمل منصفة.
وبحسب ما أفاد به متحدث باسم نقابة فيردي للعاملين في قطاع الخدمات في برلين الثلاثاء، فإن عدداً كبيراً من المستشفيات الجامعية سيظل متأثراً بالإضرابات التحذيرية حتى يوم الأربعاء، موضحاً أن التوقف عن العمل والاحتجاجات امتدت إلى مدن ألمانية عديدة وشملت جميع المواقع الـ22 التي أُبلغ عن تنظيم إضرابات فيها، وفق وكالة الأنباء الألمانية.
توقف واسع دون المساس بالطوارئ
أشارت النقابة إلى أن الإضرابات شملت طواقم متعددة داخل المستشفيات الجامعية، من التمريض إلى المختبرات والفنيين والعاملين في الخدمات المساندة، وهو ما انعكس على مواعيد العلاج والعمليات غير الطارئة. ومع ذلك، شددت فيردي على أن خدمات الطوارئ والعلاجات الحيوية الضرورية لإنقاذ الحياة لم تتأثر، وأن استمرارها مضمون في جميع المواقع، في محاولة لطمأنة المرضى والرأي العام.
وتؤكد النقابة أن هذا التوازن بين الضغط العمالي والحفاظ على سلامة المرضى لم يكن سهلاً، لكنه يعكس وعياً لدى العاملين بحساسية دورهم ومسؤوليتهم الإنسانية، حتى في لحظات الاحتجاج والتصعيد.
نماذج من ساحات الاحتجاج
في مستشفى ينا الجامعي شرقي ألمانيا شارك نحو 300 موظف في إضراب تحذيري استمر طوال اليوم، حيث خرج أفراد من طواقم التمريض وموظفو المختبرات والفنيون إلى الشوارع للتظاهر، ورفع المشاركون مطالبهم بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل، مؤكدين أن الضغوط المتراكمة ونقص الكوادر جعلا العمل اليومي داخل المستشفيات مرهقاً إلى حد غير محتمل.
ويرى محتجون أن المستشفيات الجامعية باتت تعتمد بشكل متزايد على التضحيات الفردية للعاملين، في ظل ازدياد أعداد المرضى وتعقيد الحالات الطبية، دون أن يواكب ذلك تحسن مماثل في الأجور أو ساعات العمل أو الدعم المؤسسي.
تصعيد يتجاوز المستشفيات
لم يقتصر التحرك النقابي على المستشفيات الجامعية، إذ دعت فيردي إلى يوم إضراب تحذيري في الحرم الجامعي يوم الأربعاء، من المقرر أن يشهد تظاهرات للعاملين في الجامعات والمؤسسات البحثية في أكثر من 60 مدينة ألمانية، ومن المتوقع أن تشمل الإضرابات التحذيرية أكثر من 40 موقعاً، في رسالة واضحة بأن النزاع حول الأجور يمس شريحة واسعة من موظفي الولايات، وليس قطاعاً بعينه.
ويعكس هذا التوسع في رقعة الاحتجاجات محاولة لرفع كلفة الجمود في المفاوضات على الحكومات المحلية، ودفعها إلى تقديم عروض جدية بعد أشهر من التعثر.
مفاوضات متعثرة منذ ديسمبر
لم تسفر المفاوضات بين نقابة فيردي واتحاد الموظفين الألمان “دي بي بي” من جهة، والجمعية الحكومية للولايات الألمانية من جهة أخرى، عن أي تقارب ملموس منذ شهر ديسمبر الماضي، وتتهم النقابتان الولايات بعدم تقديم أي عرض حقيقي حتى الآن، معتبرتين أن هذا التجاهل يفاقم الاحتقان ويدفع بالعاملين إلى الشارع.
وتطالب فيردي ودي بي بي بزيادة الرواتب بنسبة 7 بالمئة على ألا تقل الزيادة عن 300 يورو شهرياً بوصفه حداً أدنى، مشيرتين إلى أن هذه المطالب تعكس الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والضغوط المتزايدة على العاملين في القطاع العام. وفي المقابل، يرفض أرباب العمل هذه المطالب بدعوى عدم القدرة على تحمل تكاليفها في ظل أوضاع مالية صعبة للولايات.
المرضى بين القلق والتفهم
في أروقة المستشفيات الجامعية يعيش المرضى حالة من القلق بسبب تأجيل بعض المواعيد والعلاجات غير العاجلة، في حين يحاول آخرون إبداء التفهم لمطالب العاملين، إدراكاً منهم لدورهم الحيوي في المنظومة الصحية، ويقول مراقبون إن استمرار الإضرابات لفترات أطول قد يضع المرضى في موقف أكثر صعوبة، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة ويعتمدون على المتابعة المنتظمة.
في الوقت ذاته تحذر إدارات المستشفيات من أن استمرار النزاع دون حل قد ينعكس سلباً على استقرار النظام الصحي الجامعي الذي يشكل ركيزة أساسية للتدريب الطبي والبحث العلمي إلى جانب تقديم الرعاية المتخصصة.
آفاق المرحلة المقبلة
من المتوقع أن تستمر الإضرابات التحذيرية حتى موعد الجولة الثالثة من المفاوضات المقررة في الفترة من 11 إلى 13 فبراير المقبل، وسط ترقب لما إذا كانت هذه الجولة ستشهد اختراقاً حقيقياً أم مزيداً من التصعيد، وتراهن النقابات على أن اتساع رقعة الاحتجاجات سيجبر الولايات على مراجعة موقفها، في حين تأمل الحكومات المحلية في احتواء الغضب دون تقديم تنازلات كبيرة.
ويرى خبراء في شؤون العمل أن هذا النزاع يمثل اختباراً صعباً لقدرة الدولة الألمانية على الموازنة بين الانضباط المالي والحفاظ على جودة الخدمات العامة، خصوصاً في القطاعات الحساسة مثل الصحة والتعليم.
يشكل النزاع الحالي حول الأجور في القطاع العام امتداداً لسلسلة من الخلافات العمالية التي شهدتها ألمانيا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تضخم متزايد وارتفاع تكاليف المعيشة وتأثيرات اقتصادية متراكمة، وتعد المستشفيات الجامعية جزءاً محورياً من النظام الصحي الألماني، إذ تجمع بين تقديم الرعاية المتخصصة وتدريب الكوادر الطبية وإجراء الأبحاث العلمية، ومع اعتماد هذه المؤسسات على آلاف العاملين من تخصصات مختلفة، فإن أي خلل في أوضاعهم الوظيفية ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة. وفي هذا السياق يكتسب النزاع الحالي أهمية خاصة؛ لأنه لا يتعلق بالأجور فقط، بل بمستقبل بيئة العمل في أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في حياة المواطنين.










