بين التهدئة والتصعيد.. توتر متواصل في مينيابوليس على خلفية مداهمات الهجرة
بين التهدئة والتصعيد.. توتر متواصل في مينيابوليس على خلفية مداهمات الهجرة
تعيش مدينة مينيابوليس الأمريكية على وقع توتر أمني وسياسي متصاعد، في ظل مواجهة مفتوحة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والسلطات المحلية، على خلفية سياسات الهجرة وتطبيق قوانين الترحيل الاتحادية، وبينما تتواصل المداهمات الأمنية وتتصاعد الاحتجاجات الشعبية، تتضارب الإشارات الصادرة عن البيت الأبيض، ما يفاقم حالة القلق ويزيد من مخاوف الانزلاق نحو مزيد من العنف.
وأفادت وكالة رويترز، الخميس، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حذر رئيس بلدية مينيابوليس جاكوب فري من أنه يلعب بالنار، بسبب إصراره على امتناع الشرطة المحلية عن تطبيق قوانين الهجرة الاتحادية، وذلك بعد يوم واحد فقط من إعلان ترامب عزمه خفض التصعيد قليلاً في المدينة، وأعاد هذا التحذير إشعال الخلاف بين الطرفين، في وقت تشهد فيه المدينة اضطرابات متزايدة.
إشارات متناقضة وتوتر مستمر
وعلى الرغم من حديث ترامب عن التهدئة، فإن مداهمات تطبيق قوانين الترحيل بحق المهاجرين، ضمن الحملة التي أطلقتها إدارته، لم تتباطأ، غير أن هذه العمليات بدت، يوم أمس الأربعاء، أكثر تحديداً في أهدافها، في مؤشر على تعديل تكتيكي لا يرقى إلى تغيير جوهري في النهج.
وتسببت هذه المداهمات في تصاعد الغضب الشعبي، حيث شهدت مينيابوليس مواجهات بين محتجين وعناصر اتحادية مكلفة بإنفاذ قوانين الهجرة، كانوا مدججين بالسلاح، ما زاد من حدة الاحتقان في الشارع.
ضحايا واحتجاجات
وتفاقمت الاضطرابات بعد مقتل أمريكيين اثنين على يد قوات اتحادية في حادثتين منفصلتين هزتا الرأي العام المحلي، فقد قُتلت رينيه جود في السابع من يناير، في حين لقي أليكس بريتي مصرعه يوم السبت الماضي، في واقعتين لا تزال تفاصيلهما محل جدل وتساؤلات واسعة.
وأثارت هاتان الحادثتان موجة احتجاجات غاضبة، اعتبر فيها ناشطون أن استخدام القوة المفرطة بات سمة بارزة في تعامل السلطات الاتحادية مع الاحتجاجات المرتبطة بملف الهجرة، محذرين من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا.
وفي مؤشر على محاولة احتواء الغضب الشعبي، كشفت مذكرة داخلية عن توجيهات صدرت لعناصر تطبيق قوانين الهجرة، تطالبهم بتجنب التواصل أو التفاعل غير الضروري مع المتظاهرين، واعتبر مراقبون هذه الخطوة اعترافاً ضمنياً بحساسية الوضع، ومحاولة لتقليل الاحتكاك المباشر الذي قد يشعل مواجهات أوسع، إلا أن هذا التعديل التكتيكي لم ينعكس تهدئة ملموسة على الأرض، حيث بقي التوتر مرتفعاً، واستمرت حالة الاستنفار الأمني في عدد من أحياء المدينة.
عودة اللهجة المتشددة
وبعد يوم من اعتماد نبرة تصالحية نسبياً في تصريحات علنية أعقبت أسابيع من الخطاب الحاد، عاد ترامب وعدد من كبار مسؤولي إدارته، أمس الأربعاء، إلى استخدام لهجة صارمة، وزاد هذا التراجع عن التهدئة من حالة الارتباك، وأعطى انطباعاً بأن الإدارة لم تحسم بعد اتجاهها في التعامل مع الأزمة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزيرة العدل الأمريكية بام بوندي أن قوات اتحادية اعتقلت 16 شخصاً في ولاية مينيسوتا، أمس الأربعاء، بتهم الاعتداء على سلطات إنفاذ القانون الاتحادية، أو مقاومتها، أو عرقلة عملها، وأكدت بوندي أن هذه الاعتقالات تأتي في إطار تطبيق القانون، مشددة على أن لا شيء سيمنع الإدارة من مواصلة عملياتها.
رسائل حادة عبر وسائل التواصل
وعلى الرغم من تراجع ترامب نسبياً تحت ضغوط سياسية عن هجماته اللفظية المباشرة على رئيس بلدية مينيابوليس، عاد ليصعّد مجدداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعدّ الرئيس تكرار فري موقف المدينة الرافض لمشاركة شرطتها في تطبيق قوانين الهجرة يمثل خطأً جسيماً وانتهاكاً خطراً للقانون.
وكتب ترامب متسائلاً ما إذا كان هناك من يستطيع شرح خطورة هذا الموقف لرئيس البلدية، معتبراً أن الإصرار عليه قد يقود إلى عواقب خطِرة.
رد البلدية وتأكيد الاستقلال
من جانبه رد جاكوب فري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن مهمة شرطة مينيابوليس تقتصر على الحفاظ على سلامة السكان، وليس تطبيق قوانين الهجرة الاتحادية، ويستند هذا الموقف إلى سياسة المدينة التي تصنف ضمن ما يعرف بمدن الملاذ، والتي ترفض التعاون الكامل مع السلطات الاتحادية في ملفات الترحيل.
ويرى مسؤولو المدينة أن إشراك الشرطة المحلية في إنفاذ قوانين الهجرة قد يقوض الثقة بين أجهزة الأمن والمجتمعات المهاجرة، ويجعل السكان أقل ميلاً للتعاون مع الشرطة في القضايا الجنائية.
ويعكس هذا الصدام انقساماً أوسع داخل الولايات المتحدة حول ملف الهجرة، حيث ترى إدارة ترامب أن التشدد ضروري لحماية الأمن القومي وتطبيق القانون، في حين تعد مدنٌ عدة هذه السياسات تستهدف المهاجرين بشكل غير عادل، وتغذي التوترات العرقية والاجتماعية.
ويحذر محللون من أن تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات ميدانية بين السلطات الاتحادية والمحلية قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات، ويزيد من احتمالات الفوضى، خاصة في مدن تشهد أصلاً تاريخاً من التوترات العرقية.
الشارع بين الغضب والخوف
على مستوى الشارع، يعيش سكان مينيابوليس حالة من القلق والترقب، فالمحتجون يرون في المداهمات اعتداءً على حقوق المهاجرين، في حين يخشى آخرون أن تؤدي الاحتجاجات وأعمال العنف إلى مزيد من الاضطراب وانعدام الأمن.
ويؤكد ناشطون أن غياب رسالة واضحة من الإدارة الأمريكية، وتذبذب الخطاب بين التهدئة والتصعيد، يسهمان في تعميق الأزمة، ويجعلان من الصعب احتواء الغضب الشعبي.
تعد مينيابوليس واحدة من المدن الأمريكية التي تبنت سياسات تقيد تعاون الشرطة المحلية مع سلطات الهجرة الاتحادية، في إطار ما يعرف بسياسات المدن الملاذ، ومنذ عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، أعادت إدارته تفعيل نهج متشدد في ملف الهجرة، شمل تكثيف المداهمات وعمليات الترحيل، وقد أدى هذا النهج إلى مواجهات متكررة مع سلطات محلية في ولايات عدة، وإلى احتجاجات واسعة في الشارع الأمريكي، وفي ظل انقسام سياسي حاد، يبقى ملف الهجرة أحد أكثر القضايا حساسية، حيث تتقاطع فيه اعتبارات الأمن، وحقوق الإنسان، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية والسلطات المحلية، ما يجعل أي تصعيد فيه قابلاً للتحول إلى أزمة وطنية أوسع.











