جراء الفيضانات.. السلطات المغربية توسع دائرة الإجلاء وتحرك وطني لاحتواء الأزمة
جراء الفيضانات.. السلطات المغربية توسع دائرة الإجلاء وتحرك وطني لاحتواء الأزمة
وسعت السلطات المغربية، اليوم الثلاثاء، عمليات إجلاء المواطنين لتشمل مناطق وأحياء إضافية في إقليم القصر الكبير شمالي البلاد، مع استمرار هطول أمطار غزيرة تسببت في فيضانات واسعة النطاق، وفرضت حالة من الاستنفار لدى مختلف الأجهزة المعنية، وجاء هذا التوسع بعدما غمرت المياه أحياء كانت تصنف في السابق ضمن المناطق الآمنة، ما دفع السلطات إلى اتخاذ قرارات عاجلة لتفادي خسائر بشرية محتملة.
وبحسب وكالة أنباء الأناضول، فإن عمليات الإجلاء شملت أحياء سكنية داخل مدينة القصر الكبير، من بينها سي عبد الله والوهراني والزكاكرة، بعد ارتفاع منسوب المياه بشكل مفاجئ، ما هدد سلامة السكان ومنازلهم.
قرى على ضفاف الأودية في دائرة الخطر
لم تقتصر عمليات الإجلاء على المدينة وحدها، بل امتدت إلى قرى تابعة لمنطقة سيدي قاسم، الواقعة بمحاذاة واد سبو، حيث ارتفع منسوب مياه الأمطار بشكل مقلق، ما أدى إلى غمر مساحات زراعية ومساكن قريبة من مجرى الوادي، وأكدت السلطات المحلية أن هذه الإجراءات وقائية بالأساس، وتهدف إلى حماية الأرواح في ظل توقعات باستمرار التساقطات خلال الساعات والأيام المقبلة.
سدود ممتلئة وأنهار فائضة
تعود أسباب الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير بشكل رئيسي إلى الارتفاع الكبير في منسوب وادي اللوكوس، وذلك بعد امتلاء سد واد المخازن بنسبة بلغت 140 بالمئة من سعته، في سابقة هي الأولى من نوعها، وأدى هذا الوضع إلى فيضان السد في المجرى المائي، وفق معطيات رسمية، ما تسبب بتدفق كميات هائلة من المياه نحو المناطق السكنية المجاورة.
ويرى مختصون أن هذا الارتفاع غير المسبوق يعكس حجم التساقطات المطرية التي شهدتها المنطقة خلال فترة وجيزة، إضافة إلى محدودية قدرة بعض المنشآت المائية على استيعاب هذا التدفق الاستثنائي.
مراكز إيواء واستعدادات خارج الإقليم
في ظل اتساع رقعة المتضررين، أعلنت عضو البرلمان عن إقليم القصر الكبير زينب السيمو، عبر منشور على منصة فيسبوك اليوم الثلاثاء، أن سلطات مدينة طنجة، الواقعة على بعد 98 كيلومترا من القصر الكبير، أقامت مخيما جديدا لاستقبال المواطنين القادمين من المناطق المتضررة.
وأوضحت السيمو أن السلطات المحلية بطنجة أنهت تجهيز المركز الوطني للتخييم بالغابة الدبلوماسية، ليكون خيارا استراتيجيا احتياطيا وجاهزا لاستقبال العائلات المتضررة من فيضانات القصر الكبير، في حال تفاقم الوضع أو تجاوز الأزمة للإمكانيات المحلية المتاحة داخل الإقليم.
نزوح واسع وتقديرات مقلقة
في تصريحات صحفية، قال رئيس بلدية القصر الكبير محمد السيمو إن السلطات المغربية أنهت عمليات إجلاء المتضررين والمهددين من الفيضانات داخل المحافظة، موضحا أن هذه العمليات شملت ما يقارب 70 بالمئة من سكان المدينة.
وأشار السيمو إلى أن جزءا كبيرا من المتضررين فضلوا النزوح نحو مدن أخرى للإقامة لدى أقاربهم، في حين توجه آلاف المواطنين إلى مراكز الإيواء التي جرى تجهيزها على عجل. ويبلغ عدد سكان القصر الكبير نحو 120 ألف شخص، ما يجعل حجم النزوح الحالي من أكبر عمليات الإجلاء التي شهدتها المدينة في تاريخها الحديث.
تعليق الدراسة وإجراءات وقائية
ضمن التدابير الاحترازية، قررت وزارة التربية المغربية يوم الأحد تعليق الدراسة في جميع المؤسسات التعليمية بالمناطق المتضررة، ومن بينها القصر الكبير والقنيطرة وسيدي قاسم وسوق الأربعاء، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 2 و7 فبراير، ويهدف هذا القرار إلى ضمان سلامة التلاميذ والأطر التعليمية، وتفادي المخاطر المرتبطة بالتنقل في ظل الفيضانات وانقطاع بعض الطرق.
وفي السياق ذاته، حذّرت مديرية الأرصاد الجوية المغربية يوم الاثنين من تأثير منخفض جوي قوي، مصحوب بهطول أمطار غزيرة قد تصل إلى 150 ملم في عدد من المناطق، ما زاد من حالة القلق والاستعداد لدى السلطات والسكان على حد سواء.
الجيش يدخل على خط الدعم
مع تزايد حدة الأزمة، أعلن الجيش المغربي يوم الجمعة الماضي تعبئة موارد بشرية ولوجستية للتدخل الفوري ومساعدة المتضررين من الفيضانات، وشملت هذه التعبئة توفير وسائل نقل، ومعدات إنقاذ، ودعما لوجستيا للسلطات المدنية، في إطار تنسيق مشترك يهدف إلى تسريع عمليات الإجلاء وتقديم المساعدات الأساسية.
وأشاد مواطنون في المناطق المتضررة بسرعة تدخل مختلف الأجهزة، مؤكدين أن وجود القوات المسلحة إلى جانب السلطات المحلية أسهم في الحد من الخسائر وتنظيم عمليات الإغاثة.
أمطار قياسية ومخزون مائي مرتفع
تأتي هذه الفيضانات في سياق مناخي استثنائي تشهده المملكة المغربية، حيث سجلت عدة مدن مغربية خلال شهر ديسمبر 2025 أمطارا غزيرة وتساقطا كثيفا للثلوج، ما ساهم في رفع منسوب المياه بالسدود والأنهار، وحتى يوم الأربعاء، بلغ حجم مخزون المياه في سدود البلاد 9.26 مليارات متر مكعب، وهو معدل لم يسجل منذ شهر يوليو 2019، بحسب معطيات حكومية رسمية.
ورغم أن هذا الارتفاع في المخزون المائي يعد إيجابيا على المدى المتوسط، خاصة بعد سنوات من الجفاف، فإنه كشف في الوقت ذاته عن هشاشة بعض المناطق أمام الظواهر المناخية القصوى، وضرورة تعزيز البنية التحتية المائية وأنظمة الإنذار المبكر.
يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تزايدا في وتيرة الظواهر المناخية الحادة، بين فترات جفاف طويلة وتساقطات مطرية كثيفة في مدد زمنية قصيرة، ويعزو خبراء هذا التذبذب إلى تأثيرات التغير المناخي، الذي بات يفرض تحديات جديدة على السياسات المائية والعمرانية في البلاد، وتعد مناطق الشمال، بحكم قربها من الأودية الكبرى وكثافتها السكانية، من أكثر المناطق عرضة للفيضانات عند امتلاء السدود وارتفاع منسوب الأنهار، وفي هذا السياق، تعمل السلطات المغربية على مراجعة خطط التدبير الاستباقي للكوارث الطبيعية، وتعزيز قدرات الاستجابة السريعة، بهدف حماية السكان وتقليل الخسائر البشرية والمادية في المستقبل.










