بين الصواريخ والدبلوماسية.. أبوظبي تستضيف جولة مفاوضات نحو السلام تجمع روسيا وأوكرانيا

بين الصواريخ والدبلوماسية.. أبوظبي تستضيف جولة مفاوضات نحو السلام تجمع روسيا وأوكرانيا
أبوظبي

انطلقت في العاصمة الإماراتية أبوظبي جولة ثانية من المحادثات بين مفاوضين أوكرانيين وروس بوساطة أمريكية في محاولة جديدة لدفع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ سنوات والتي تعد أكبر صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وتأتي هذه الجولة وسط أجواء مشحونة بالاتهامات المتبادلة والتصعيد العسكري المتواصل رغم المساعي الدبلوماسية المكثفة.

تستمر الاجتماعات الثلاثية التي بدأت اليوم الأربعاء لمدة يومين وتشمل محادثات مشتركة وأخرى منفصلة بين الأطراف المعنية في إطار سعي الولايات المتحدة إلى تقريب وجهات النظر بين كييف وموسكو بعد تعثر محاولات سابقة للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وفق وكالة رويترز.

سياق متوتر للمفاوضات

تنعقد جولة أبوظبي الجديدة بعد أيام قليلة من اتهام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لروسيا باستغلال هدنة مؤقتة لوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة كانت قد أُبرمت برعاية أمريكية الأسبوع الماضي، وقال زيلينسكي إن موسكو استخدمت الهدنة لتخزين الذخيرة قبل أن تشن هجوما وصفه بالقياسي مستخدمة عددا كبيرا من الصواريخ الباليستية ضد أهداف داخل أوكرانيا أمس الثلاثاء.

هذا التصعيد العسكري ألقى بظلاله على أجواء المحادثات الجديدة وأثار تساؤلات حول مدى جدية الأطراف في الالتزام بمسار تفاوضي يمكن أن يفضي إلى تهدئة دائمة أو اتفاق شامل ينهي الحرب.

صيغة ثلاثية ومسارات متعددة

قال رستم أوميروف، كبير المفاوضين الأوكرانيين، إن جولة جديدة من المفاوضات بدأت في أبوظبي بصيغة ثلاثية تضم أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا، وأوضح أن هذه الصيغة تهدف إلى ضمان دور أمريكي فاعل في تقريب المواقف ومراقبة أي تفاهمات محتملة.

وأضاف أن الأطراف ستعقد أيضا اجتماعات منفصلة لمناقشة مسارات تفاوضية محددة تشمل الجوانب الأمنية والسياسية والإنسانية على أن تعقد لاحقا جلسة مشتركة لتنسيق المواقف وتقييم ما تم التوصل إليه خلال اللقاءات الثنائية.

الدور الأمريكي والضغوط السياسية

خلال العام الماضي كثفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعيها لدفع كييف وموسكو نحو تسوية تنهي صراعا دخل عامه الرابع منذ اندلاعه بالغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وتسعى واشنطن إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يخفف من تداعيات الحرب على الأمن الأوروبي والاقتصاد العالمي في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.

ورغم جولات متعددة من المحادثات بين مسؤولين أمريكيين وكل من الطرفين لا تزال الفجوة واسعة بشأن القضايا الجوهرية التي تعرقل أي اتفاق نهائي وهو ما يجعل جولة أبوظبي اختبارا جديدا لمدى قدرة الوساطة الأمريكية على تجاوز حالة الجمود.

عقدة الأراضي والمطالب الروسية

تتصدر القضايا الإقليمية قائمة الخلافات بين موسكو وكييف إذ تطالب روسيا أوكرانيا بالتخلي عن أراض لا تزال تحت سيطرتها باعتبار ذلك شرطا أساسيا لأي اتفاق سلام. 

وتشمل هذه المطالب مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية وسياسية كبيرة.

ومن بين أكثر الملفات حساسية مصير محطة زابوريجيا للطاقة النووية التي تعد الأكبر في أوروبا وتقع في منطقة تحتلها القوات الروسية، ويثير هذا الملف مخاوف دولية واسعة نظرا للمخاطر المرتبطة بأمن المنشآت النووية في مناطق النزاع.

كما تطالب موسكو كييف بسحب قواتها من كامل منطقة دونيتسك في شرق أوكرانيا بما في ذلك حزام المدن شديد التحصين الذي يمثل أحد أقوى خطوط الدفاع الأوكرانية وهو مطلب ترفضه أوكرانيا بشدة وتعتبره مساسا بسيادتها وأمنها القومي.

الموقف الأوكراني وخطوط الجبهة

في المقابل تؤكد أوكرانيا أن أي تسوية يجب أن تقوم على تجميد الصراع عند خطوط الجبهة الحالية وترفض بشكل قاطع أي انسحاب أحادي الجانب لقواتها من الأراضي التي لا تزال تحت سيطرتها. وترى كييف أن تقديم تنازلات إقليمية سيشجع على مزيد من التصعيد مستقبلا ويقوض أسس القانون الدولي.

وتشير التقديرات إلى أن روسيا تسيطر حاليا على نحو 20 بالمئة من الأراضي الأوكرانية بما في ذلك شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو في 2014 وأجزاء واسعة من منطقة دونباس الشرقية التي سيطرت عليها قبل غزو 2022.

توازنات ميدانية متغيرة

قال محللون عسكريون إن القوات الروسية تمكنت منذ بداية 2024 من السيطرة على نحو 1.5 بالمئة إضافية من الأراضي الأوكرانية وهو تقدم محدود لكنه يعكس استمرار العمليات العسكرية على عدة جبهات رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة لدى الطرفين.

ويؤكد هؤلاء المحللون أن الوضع الميداني لا يمنح أيا من الطرفين نصرا حاسما في المدى القريب ما يعزز من أهمية المسار التفاوضي كخيار أقل كلفة مقارنة باستمرار الحرب المفتوحة.

الرأي العام الأوكراني والشكوك الشعبية

تظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأوكرانيين يعارضون أي اتفاق يمنح موسكو أراضي أوكرانية حتى لو كان ذلك ثمنا لوقف القتال، ويعكس هذا الموقف الشعبي ضغطا إضافيا على القيادة الأوكرانية التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة الأراضي.

وقال سكان في كييف في تصريحات أوردتها رويترز اليوم الأربعاء إنهم ينظرون بعين الشك إلى الجولة الجديدة من المحادثات معربين عن مخاوفهم من أن تفضي إلى تنازلات سياسية دون ضمانات حقيقية للأمن أو السيادة.

جولة جديدة بعد سابقة أولى

كانت الجولة الأولى من هذه المحادثات قد عقدت في الإمارات الشهر الماضي وشكلت حينها أول مفاوضات علنية مباشرة بين موسكو وكييف منذ فترة طويلة، ورغم أنها لم تسفر عن اختراق ملموس فإنها مهدت الطريق أمام استمرار التواصل وفتحت الباب أمام جولات لاحقة.

ويرى مراقبون أن اختيار أبوظبي مجددا يعكس ثقة الأطراف في الدور الذي تلعبه الإمارات كمنصة محايدة للحوار في نزاعات دولية معقدة.

لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية دورا متناميا في جهود الوساطة الرامية إلى تخفيف حدة النزاع بين روسيا وأوكرانيا مستندة إلى علاقاتها المتوازنة مع الطرفين وثقة المجتمع الدولي في نهجها الدبلوماسي القائم على الحوار، وأسهمت أبوظبي في تهيئة قنوات تواصل مباشرة بين موسكو وكييف ووفرت منصة محايدة لاستضافة جولات تفاوضية حساسة في مراحل معقدة من الصراع. 

كما اضطلعت الإمارات بدور بارز في إنجاز عدة عمليات تبادل أسرى بين الجانبين حيث نجحت بوساطتها في عودة مئات الأسرى إلى ذويهم في خطوات إنسانية خففت من معاناة العائلات وأكدت أهمية البعد الإنساني في إدارة النزاعات، وتعكس هذه الجهود التزام الإمارات بدعم الاستقرار الدولي وتسخير دبلوماسيتها لخدمة الحلول السلمية وتقليل الكلفة الإنسانية للحروب.

اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 عندما شنت روسيا غزوا واسعا على أوكرانيا ما أدى إلى واحدة من أخطر الأزمات الأمنية في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأسفر الصراع عن مقتل وإصابة مئات الآلاف ونزوح ملايين المدنيين وتدمير واسع للبنية التحتية. 

وعلى مدى سنوات الحرب تداخل المسار العسكري مع جهود دبلوماسية متقطعة قادتها قوى دولية وإقليمية دون التوصل إلى تسوية نهائية، ومع استمرار الاستنزاف الميداني وتزايد الضغوط الاقتصادية والإنسانية تبرز جولات التفاوض الحالية كمحاولة جديدة لاختبار إمكانية إنهاء الصراع عبر الحلول السياسية بعد أن أثبت الخيار العسكري محدوديته.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية