على طريق رفح.. فلسطينيون يدهشون العالم بالإصرار على العودة إلى القطاع المدمر
على طريق رفح.. فلسطينيون يدهشون العالم بالإصرار على العودة إلى القطاع المدمر
تتكدّس الحافلات على امتداد الطريق المؤدي إلى معبر رفح كما تتكدّس القصص في صدور أصحابها؛ وجوه شاحبة أنهكها الانتظار، وأيدٍ تتشبث بحقائب صغيرة تختصر سنوات من الغياب.. هنا، لا تبدو العودة انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل فعل مقاومة صامت وإعلان تمسّك بأرض يصفها أهلها ببساطة: "أرضنا… حتى لو صارت ركامًا".
ومنذ إعادة فتح المعبر بشكل محدود مطلع فبراير، تحوّلت رحلة العودة إلى قطاع غزة إلى مسار طويل من الانتظار والتحقيق وإجراءات معقّدة، بحسب ما ذكرت شبكة "روسيا اليوم”، الأحد.
ورغم ذلك، تتزايد أعداد المسجلين للعودة في مشهد يثير الاستغراب والغضب معًا.. وبينما تشير تقارير حقوقية إلى تضييق وقيود مشددة على العابرين، يصرّ فلسطينيون على الرجوع، ولو إلى خيمة منصوبة فوق أنقاض منزل.
أرقام محدودة وانتظار
تفيد بيانات رسمية في غزة بأن مئات فقط تمكنوا من العبور خلال الأيام الأولى من تشغيل المعبر، في حين تُقدّر أعداد المسجلين بعشرات الآلاف، معظمهم يؤكد أن الخروج كان اضطراريًا لا اختياريًا.
ويروي عائدون مسارًا معقّدًا يمرّ عبر نقاط تفتيش عدة، يبدأ من الجانب المصري ولا ينتهي إلا بعد سلسلة إجراءات أمنية مطوّلة. وتتحدث شهادات متطابقة عن تحقيقات قاسية ومصادرة مقتنيات، وأحيانًا تعصيب أعين وتقييد أيدٍ، وضغوط نفسية استمرت لساعات.
أورد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقرير حديث إفاداتٍ عن معاملة مهينة تعرّض لها بعض العائدين، وعرض أموال عليهم مقابل عدم العودة أو التعاون بوصفهم مخبرين.
واعتبر المكتب أن هذه الممارسات، إن ثبتت، تمثل انتهاكًا للكرامة الإنسانية وتقويضًا لحق العودة الآمنة.
قلق حقوقي متزايد
ترى مؤسسات حقوقية أن القيود المشددة والأعداد المحدودة المسموح لها بالعبور تعكس سياسة ردع تهدف إلى تقليص العودة، في ظل مخاوف إسرائيلية من تكريس واقع ديموغرافي ثابت في القطاع بعد الحرب.
وفي المقابل، تؤكد جهات فلسطينية أن الإصرار الشعبي يُفشل رهانات «الهجرة الطوعية» أو يفرغ القطاع من سكانه.
لكن على الأرض تبدو الصورة أبسط: أمٌّ تريد احتضان أبنائها، مريض يسعى أن يموت في بيته لا في غربة قسرية، وشاب يعود ليعيش بين أهله ولو في خيمة.
يقول عائدون بعد رحلة علاج طويلة إنهم سعداء رغم أنهم وجدوا بيوتهم مدمّرة وأحياءهم ممسوحة من الوجود؛ فالأرض، كما يردّدون، «تعرف أصحابها وتحتضنهم بين ركامها»، ولسان حالهم يقول: «اتخذنا القرار الصحيح».
العودة رغم الدمار
في قطاع لا تتجاوز مساحته 360 كيلومترًا مربعًا، يصرّ الناس على البقاء والعودة رغم الدمار الواسع ونقص الخدمات وتداعيات حرب خلّفت آلاف الضحايا والجرحى.. عشرات الآلاف ما زالوا ينتظرون دورهم للعبور، في حين يحتاج آلاف المرضى إلى مغادرة القطاع للعلاج.
تتكرر العبارة ذاتها في شهادات العائدين: «نحن هنا لأننا نريد أن نكون هنا».. لا يتعلق الأمر بالظروف المعيشية بقدر ما يتعلق بالانتماء.. فصاحب الأرض، كما يقول الغزيون، يعشقها حتى لو أثخنتها الجراح.
تُظهر غزة، بكل ما فيها من ألم، قدرة على إدهاش العالم. فبين أنقاض البيوت وصدى التحقيقات يختار أهلها العودة.. لا لأن الطريق سهل، بل لأن البقاء في الغياب أصعب.











