فنون وسط الركام.. مرح الزعانين تحول خيمتها إلى معرض مقاومة في غزة

فنون وسط الركام.. مرح الزعانين تحول خيمتها إلى معرض مقاومة في غزة
الفلسطينية مرح الزعانين

على مدار عامين من الرسم المتواصل، تراكمت لوحات الفنانة الفلسطينية مرح الزعانين دون أن تجد مساحة تحتضنها في معرض فني تقليدي، لكن في قطاع غزة -حيث تضيق المساحات وتتسع المآسي- قررت مرح أن تصنع فضاءها بنفسها، خيمة نزوح تحولت إلى مرسم ومعرض في آنٍ معاً.

وفي قلب مخيم النزوح داخل مدرسة تؤوي عائلات شردتها الحرب، علّقت مرح لوحاتها على جدران خيمة صغيرة.. قسمت المساحة إلى زوايا موضوعية: زاوية للمجاعة، وأخرى للنزوح، وثالثة للوجوه، ورابعة للعرس الفلسطيني، هكذا صار المكان الذي تنام فيه مع عائلتها معرضاً مفتوحاً لكل من يريد أن يتذوق الفن وسط الركام، بحسب ما ذكرت وكالة “أنباء المرأة”، اليوم الأحد.

تقول مرح إن فكرة المعرض كانت تراودها قبل السابع من أكتوبر، لكن عدد اللوحات لم يكن كافياً. ومع اندلاع الحرب تزايدت الأفكار كما لو أنها تُلقى على الورق من تلقاء نفسها.. تضاعف الإنتاج بين النزوح والفقد والخوف، وحتى اللحظات السعيدة النادرة التي كانت النساء يسرقنها من قلب الألم.

الفن وثيقة حياة

لم تكن اللوحات مجرد أعمال فنية، بل وثائق بصرية للحياة اليومية في غزة. رسمت النساء في طوابير الماء، وفي تكية الطعام، وفي لحظات العرس رغم الحصار. جسدت المرأة بوصفها رمزاً للصمود والمقاومة والعائلة، تعدّل كوفية رجل، أو تحمل عبء الانتظار بصمت.

ومع نقص الأدوات، انتقلت الفنانة الشابة مرح من استخدام الألوان إلى الحبر، ثم إلى الرماد الأسود المتخلف عن نار الطهي، لتواصل الرسم رغم شح الإمكانات. 

واستخدمت رموزاً فلسطينية مثل الفخار، والبطيخ، والكوفية، والثوب المطرز. أحياناً كانت تلجأ إلى رمز البطيخ بديلاً عن العلم الفلسطيني للتحايل على قيود منصات التواصل الاجتماعي.

بين الخيمة والعالم

لم تتوقف مرح عند عرض اللوحات داخل الخيمة. شاركت في إعداد كتب مصورة تضم أعمالها مرفقة بنصوص تفسيرية، تُرجمت إلى عدة لغات، لتشرح للعالم خارج غزة كيف تتحول حياة النساء والأطفال من هدوء نسبي إلى سلسلة لا تنتهي من التحديات.

وكانت تنشر لوحاتها عبر منصة "إكس"، حيث وجد كثيرون في اقتنائها شكلاً من أشكال الدعم، فاشتروا أعمالها وعلقوها في بيوتهم. 

ورغم أن عدد لوحاتها بلغ 700 لوحة، لم يتبقَّ منها سوى نحو 500 بسبب النزوح والرطوبة والأمطار وحركة الزوار داخل الخيمة. وبما أنها مرسومة على الورق، فإن ترميمها شبه مستحيل إذا تضررت.

صعوبات لا توقف الحلم

تواجه مرح تحديات يومية: الأمطار التي تغمر أطراف الخيمة فتتساقط اللوحات، الحر الذي يفسد الألوان، نقص المواد الخام، وانعدام البدائل. ومع ذلك، تستقبل يومياً زواراً ووسائل إعلام، ويتكرر السؤال ذاته: كيف تنام عائلتك وسط هذه اللوحات المأساوية؟

إجابتها العملية كانت واضحة: الإمكانات ليست شرطاً لتحقيق الحلم. يمكن للخيمة أن تصبح معرضاً، ويمكن لفتاة نازحة أن تصنع مساحة للفن وسط الحرب.

تحلم مرح بنقل لوحاتها إلى مكان أكثر أماناً، وبإكمال دراستها في الفنون الجميلة للحصول على شهادة جامعية تطور بها مهاراتها. تحلم أيضاً بالعودة إلى الرسم بالألوان، بعد أن فرضت عليها الظروف الأبيض والأسود.

وفي غزة، حيث تتداخل الحياة بالفقد، اختارت مرح الزعانين أن تجعل من الخيمة مساحة للذاكرة والجمال والمقاومة الصامتة؛ ليس لأن الطريق سهل، بل لأن الفن -كما تثبت تجربتها- قادر على أن يولد حتى من الرماد.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية