بين الانتهاكات والإيجابيات.. تقرير أممي يحذر من انتقاص "الحقوق الجنائزية" حول العالم
ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان
على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين، يحضر تقرير المقررة الخاصة المعنية بحرية الدين أو المعتقد، نازلة غانية، ليطرح سؤالاً إنسانياً وقانونياً معاً، وهو: ماذا يحدث لحرية الدين أو المعتقد عندما تنتهي الحياة؟
والتقرير، الواقع في 24 صفحة، يؤكد أن الحياة والموت حلقتان متصلتان، وأن تكريم الموتى والحداد عليهم يمثلان جوهرا دينيا وروحيا وثقافيا لدى مختلف الشعوب.
ومن ثَمّ، فإن حماية حقوق الإنسان في سياق الموت ليست تفصيلا هامشيا، بل امتدادا طبيعيا للكرامة الإنسانية، إذ يستخدم التقرير مصطلح "الحقوق الجنائزية" لوصف الإطار الذي يحمي الحقوق الفردية والجماعية المرتبطة بالدفن والحداد وإدارة الرفات.
ورغم أن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان لا تنص صراحة على حقوق الموتى، فإن هذه الحقوق تندرج ضمن حرية إظهار الدين أو المعتقد في العبادة والشعائر والممارسة، فالمتوفى، وإن لم يعد صاحب حق بالمعنى القانوني الضيق، تظل رغباته الدينية أو الفلسفية محددا أساسيا لواجبات الأحياء تجاهه.
ويستشهد التقرير برؤية القاضي البرازيلي أنطونيو كانسادو ترينداد، الذي دعا إلى حماية "مشروع الآخرة" والاعتراف بالضرر الروحي الناجم عن الانتهاكات، مؤكدا أن حقوق الإنسان لا تنتهي بالموت.
انتهاكات وتمييز ممنهج
ويرصد التقرير انتهاكات متكررة، تبدأ بتخريب المقابر وتدنيسها، مرورا بنقل رفات السكان الأصليين ومنعهم من تكريم أجدادهم، وصولا إلى عرقلة مراسم الدفن وحرمان جماعات دينية من أراض لإقامة مقابر.
كما يشدد أيضا على أن غياب الاعتراف القانوني أو التمثيل الدستوري الكافي لحرية الدين أو المعتقد ينعكس مباشرة على الحقوق الجنائزية.
وفي فيتنام، تواجه جماعات غير معترف بها رسميا قيودا على دفن موتاها، بينها أتباع ديانة "كاو داي" التقليدية المستقلة، حيث تدخلت السلطات في منع جنازات أو تعطيل حفر قبور.
وفي نيبال، أدى حظر الدفن في موقع ديني معين إلى استبعاد أقليات غير هندوسية من استخدام أراضٍ عامة، دون تنفيذ فعال لتوجيهات بتخصيص بدائل.
أما في باكستان فيؤسس الإطار القانوني الذي يعتبر الأحمديين "غير مسلمين" لتمييز يمتد إلى المقابر، حيث تُمنع عمليات الدفن أو تُدنس القبور، وتُستخدم قوانين النظام العام لتقييد الطقوس.
وفي لبنان، تواجه الطوائف غير المعترف بها صعوبات هيكلية في امتلاك أراض للدفن، ما يجعلها رهينة ترتيبات غير مستقرة في لحظات الحداد.
وفي ماليزيا، تنشب نزاعات حول ديانة المتوفى المسجلة رسميا، ما يؤدي أحيانا إلى فرض طقوس دفن تخالف رغبة الأسرة، كما يشير التقرير إلى حالات في الهند، حيث مُنع أفراد من مجتمعات أديفاسي اعتنقوا المسيحية من دفن موتاهم في مقابر القرى، وتعرضت مقابر أقليات للاعتداء أو المصادرة.
ويمتد القلق إلى الصين، حيث وردت تقارير عن تدمير مقابر تقليدية لمسلمين إيغور، وإلى إيران حيث يواجه البهائيون قيودا على استخدام المقابر وتأخيرا في تسلم الجثامين، وأحيانًا إجبارا على الدفن بعيدا عن مدنهم.
وفي قبرص، أبلغ سابقا عن نقص بنية تحتية ملائمة لمقبرة إسلامية، وصعوبات في تخصيص أراضٍ جديدة لمقابر المسلمين.
وقائع إيجابية وإطارات ضامنة
وفي المقابل، يعرض التقرير نماذج تشريعية إيجابية، ففي النمسا تكفل الضمانات الدستورية حق الدفن وفق الطقوس الدينية في مقابر عامة مفتوحة لجميع الديانات، مع قواعد تنظيمية واضحة تحترم التنوع.
وفي كولومبيا، أكدت المحكمة الدستورية أن حرية الدين تشمل طقوس الدفن، مع التزام البلديات بضمان الوصول المتساوي للمقابر.
كما ينص القانون في صربيا على احترام رغبات المتوفى، ويُلزم السلطات المحلية بتولي الدفن عند تعذر قيام الأسرة بذلك، وفي الجزائر يحمي القانون المقابر ويجرم تدنيسها.
أما المغرب فعمل على صيانة مقابر دينية متنوعة وترميمها، مع آليات تشاور شاملة، فيما تُذكر البحرين كدولة خصصت أماكن للدفن لعدة أديان وأرست إطارا تظلميا للحماية.
توصيات لضمان الكرامة
ويوصي التقرير بأن تعترف الدول صراحة بالحقوق الجنائزية كجزء لا يتجزأ من حرية الدين أو المعتقد، وأن تمتنع عن فرض قيود أو رسوم تعسفية أو استخدام الدفن وسيلة إكراه للأسر.
كما يدعو أيضا إلى حماية المواكب والمقابر من الاعتداءات، وضمان المساءلة عن الانتهاكات، وتوفير سبل الانتصاف الفعالة.
ووفق التقرير، فالكرامة لا تتجزأ بين حياة وموت، وحين يُحرم الإنسان من وداع ينسجم مع معتقده، أو تُدنس ذاكرته، فإن الجرح لا يصيب الأحياء وحدهم، بل يمس صميم الحق في الحرية الدينية والاعتراف المتساوي بالإنسان، حتى آخر لحظة من وجوده.











