رمضان في الخيام.. مأساة نازحي فيضانات المغرب بين فقدان البيوت وصراع البقاء

رمضان في الخيام.. مأساة نازحي فيضانات المغرب بين فقدان البيوت وصراع البقاء
أسرة مغربية نازحة من الفيضانات داخل إحدى خيم الإيواء

لم يكن أحمد الحبشي يتخيل أن رحلة النزوح التي فرضتها الفيضانات العنيفة في شمال غرب المغرب ستمتد إلى شهر رمضان، لكنه وجد نفسه بعد 3 أسابيع يعيش داخل خيمة مؤقتة، محاطا بظروف قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في تجربة تختصر حجم المعاناة التي يعيشها آلاف المتضررين.

في مخيم قرب مدينة القنيطرة، حيث نصبت السلطات خياما زرقاء لإيواء النازحين، تتكشف تفاصيل يومية صعبة، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس الأحد، إذ يواجه السكان نقصا حادا في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، وسط بيئة موحلة وانعدام شبه كامل للبنية التحتية.

حياة مؤقتة بلا مقومات

داخل هذه الخيام، يعيش عشرات الأسر دون مياه جارية أو كهرباء، ما يجعل تفاصيل الحياة اليومية أكثر قسوة، خاصة مع حلول شهر رمضان الذي يرتبط في الذاكرة الجماعية بالألفة والدفء الأسري.

يقول أحمد الحبشي البالغ 37 عاما، وهو عامل بناء، إنه يضطر إلى إعداد وجبة الإفطار بما يتوفر فقط، في ظل غياب العديد من المواد الغذائية الأساسية، بينما تجتمع العائلات عند الغروب داخل خيامها على ضوء الشموع، في مشهد يختزل الفقر والحرمان.

ورغم السماح لعدد من السكان بالعودة إلى منازلهم، يؤكد الحبشي أن العودة بالنسبة له لا تزال مستحيلة، إذ دمرت الفيضانات جزءا كبيرا من منزله في قرية ولد عامر التي تبعد 35 كيلومترا، ويشير إلى أن إعادة الحياة إلى طبيعتها قد تستغرق ما بين 2 و3 أشهر، في حال تحسنت الظروف، وهو أمل يبدو بعيدا في ظل حجم الدمار.

رمضان مختلف تماما

بالنسبة للنازحين، لا يشبه رمضان هذا العام أي موسم سابق، إذ تغيب الأطعمة التقليدية التي اعتادوا عليها، وتتحول موائد الإفطار إلى وجبات بسيطة تفتقر إلى التنوع.

تقول فاطمة لعجوج، وهي سيدة في الستينيات تعمل في قطاف التوت، إنهم يفتقدون كل شيء، من الخبز إلى الحساء التقليدي والحليب، موضحة أن فقدان مصادر الدخل جعل شراء الاحتياجات الأساسية أمرا شبه مستحيل.

وتضيف أن الأراضي الزراعية التي كانت توفر لهم مورد رزق دمرت بالكامل جراء الفيضانات، ما يعني أن الأزمة لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد آثارها إلى المستقبل.

تداعيات اقتصادية واجتماعية

لم تقتصر آثار الفيضانات على المنازل فقط، بل طالت مصادر الدخل، حيث فقد العديد من السكان أعمالهم، خاصة في القطاع الزراعي والتجارة الصغيرة.

وتشير المعطيات إلى أن أكثر من 180 ألف شخص تم إجلاؤهم بسبب الفيضانات التي أسفرت عن 4 وفيات، في واحدة من أشد الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.

في بلدة المكرن القريبة من نهر سبو، لا تزال آثار الدمار واضحة، حيث تغطي الوحول الطرقات وتبدو المنازل مدمرة جزئيا، فيما اضطر السكان إلى رفع ممتلكاتهم داخل البيوت خوفا من عودة المياه.

العودة إلى بيوت غير صالحة

بعض العائلات حاولت العودة إلى منازلها، لكنها وجدت نفسها أمام واقع أكثر قسوة، حيث أصبحت البيوت غير صالحة للسكن.

تقول يمنى شطاطة البالغة 42 عاما إنها عادت إلى منزلها بعد 15 يوما في خيمة، لتجده على وشك الانهيار، ما اضطرها للبقاء في ظروف غير آمنة.

أما منصور عمراني، وهو رجل يبلغ 59 عاما، فيحاول الحفاظ على بعض مظاهر الحياة الطبيعية رغم كل شيء، حيث يذهب إلى المسجد لجلب مياه الشرب، ويستعد مع أسرته لإعداد وجبة كسكس للإفطار.

ويؤكد أن أجواء رمضان هذا العام مختلفة تماما، إذ يغيب الفرح الذي كان يرافق تحضير الطعام، ليحل محله القلق والخوف من انهيار المنزل في أي لحظة.

معاناة يومية مستمرة

لا تتوقف المعاناة عند حدود السكن والغذاء، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تعيق الوحول الحركة وتمنع السكان من زيارة أقاربهم أو حتى الوصول بسهولة إلى الأسواق.

عبد المجيد لكيحل، وهو بائع متجول يبلغ 49 عاما، يصف الحياة بأنها أصبحت يوما بيوم، في ظل نقص المواد الغذائية وصعوبة التنقل، ويشير إلى أن الإرهاق الناتج عن العيش في المخيمات، إلى جانب الضغوط النفسية، يزيد من صعوبة التأقلم مع الواقع الجديد.

رمضان بين الصبر والأمل

رغم قسوة الظروف، يحاول السكان التمسك ببعض مظاهر الصمود، حيث يجتمعون حول وجبات بسيطة، ويتبادلون الدعم المعنوي، في محاولة لتجاوز الأزمة.

ويعكس هذا التماسك الاجتماعي قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في وجه الكوارث، رغم محدودية الإمكانيات.

ومع ذلك، تبقى الحاجة ملحة لتوفير دعم أكبر، سواء من السلطات أو منظمات الإغاثة، لضمان عودة آمنة وسريعة للحياة الطبيعية.

شهدت مناطق واسعة في شمال غرب المغرب، خاصة إقليم القنيطرة والمناطق المحاذية لنهر سبو، أمطارا غزيرة واستثنائية خلال أواخر يناير ومطلع فبراير 2026، ما أدى إلى فيضانات واسعة النطاق تسببت في غمر قرى ومنازل وتدمير أراض زراعية وبنية تحتية، وتعد هذه المنطقة من أكثر المناطق عرضة للفيضانات بسبب طبيعتها الجغرافية وقربها من مجاري الأنهار، إلا أن شدة الأمطار الأخيرة فاقت المعدلات المعتادة، ما كشف عن هشاشة بعض البنى الوقائية، وقد اضطرت السلطات إلى إجلاء أكثر من 180 ألف شخص إلى مراكز إيواء مؤقتة، في حين لا تزال جهود إعادة التأهيل مستمرة وسط تحديات تتعلق بإزالة الأوحال وإصلاح المنازل وتعويض المتضررين، وتعكس هذه الأزمة أهمية تطوير سياسات أكثر فاعلية لإدارة الكوارث والتكيف مع التغيرات المناخية التي تزيد من تكرار مثل هذه الظواهر.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية