من الحماية إلى الشراكة.. خارطة طريق أممية لانتقال الأقليات في صناعة السلام والعدالة
ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان
في عالم تتسارع فيه الأزمات والصراعات، غالبًا ما تكون الأقليات أول من يدفع الثمن وأقل من يُسمع صوته.. على منصة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وخلال دورته الحادية والستين في جنيف، لم يكن عرض تقرير المقرر الخاص المعني بقضايا الأقليات، نيكولا لفرا، مجرد استعراض تقني لتوصيات أممية، بل محاولة لإعادة تعريف موقع الأقليات داخل مجتمعاتها.. من هامش يحتاج إلى حماية، إلى شريك أساسي في صناعة السلام والاستقرار.
التقرير، المستند إلى مداولات الدورة الثامنة عشرة للمنتدى المعني بقضايا الأقليات (نوفمبر 2025)، يضع أكثر من 20 توصية تشكل خارطة طريق لتعزيز حق الأقليات في الحفاظ على هويتها، والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، وبناء قدرتها على الصمود في وجه التمييز والإقصاء.
وينطلق من فكرة إنسانية بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: لا يمكن لأي مجتمع أن يكون مستقراً إذا شعر جزء منه بأنه غير مرئي أو غير ممثل أو غير محمي.
ومع مشاركة نحو ألف شخص من 78 دولة – من ممثلي حكومات وآليات أممية ومؤسسات وطنية ومنظمات مجتمع مدني وأكاديميين وممثلين عن الأقليات – بدا النقاش أقرب إلى شهادة جماعية على أن التنوع ليس تهديدًا، بل مصدر قوة، وأن الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية والدينية ليس منّة، بل التزام قانوني وأخلاقي.
بهذا المعنى، يأتي التقرير كدعوة لإعادة النظر في السياسات العامة، بحيث تُبنى على الشراكة لا الوصاية، وعلى الإدماج لا الإقصاء، وعلى العدالة لا الاكتفاء بشعارات الحماية.
وتقاطعت الشهادات حول واقع تتكرر فيه أنماط التمييز الهيكلي، والإقصاء السياسي والاقتصادي، وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية، كما أبرزت أشكال التمييز المتقاطع التي تطول النساء والشباب وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وذوي الميول الجنسية والهويات الجندرية المختلفة داخل مجتمعات الأقليات وخارجها.
من الحماية إلى الشراكة
أكد المشاركون الإمكانات التحويلية للمجتمعات الشاملة القائمة على المساواة وعدم التمييز والمشاركة الفعالة، فالتنوع ليس عبئا إداريا، بل ثروة اجتماعية وثقافية واقتصادية، فعندما يُعترف بالأقليات كفاعلين في الحياة العامة، تتعزز الثقة ويبنى التماسك الاجتماعي وتزداد قدرة المجتمعات على الصمود في وجه الأزمات.
وتناولت النقاشات الأسباب الجذرية للتوترات بين الجماعات، وسلّطت الضوء على ممارسات جيدة لمنع النزاعات في الحياة اليومية والمؤسسات، مع اهتمام خاص بدور الأقليات في إعادة بناء مؤسسات شاملة في سياقات ما بعد النزاع.
وجاءت التوصيات عملية ومباشرة؛ أبرزها دعوة الدول إلى الانضمام إلى الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان ذات الصلة بحقوق الأقليات وتنفيذها تنفيذا فعالا، وضمان التطبيق الكامل لإعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية ودينية ولغوية عبر خطط عمل وتشريعات وسياسات وطنية.
مساهمات الأقليات في الحياة
أوصت الورقة الأممية بضرورة الاعتراف الصريح، في القوانين والخطاب العام، بمساهمات الأقليات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وتعزيز هذا الدور من خلال التعليم والمبادرات الثقافية.
يأتي ذلك بالموازاة مع اعتماد وتنفيذ تشريعات شاملة لمكافحة التمييز، ومعالجة التمييز الهيكلي عبر تدابير خاصة أو إيجابية، بما في ذلك التمثيل القائم على الحصص عند الاقتضاء، لضمان المساواة الفعلية وتكافؤ الفرص.
فيما دعت أيضا إلى منع جرائم الكراهية وخطاب الكراهية، بما في ذلك عبر الإنترنت، ورصدها والتصدي لها بآليات إنذار مبكر ورقابة مستقلة وتدابير مساءلة، مع ضمان حماية المتضررين.
وأشارت الورقة إلى كفالة المشاركة الهادفة للأقليات في صنع القرار على جميع المستويات، وفي تصميم القوانين والسياسات والبرامج وتنفيذها وتقييمها، وإنشاء أو تعزيز آليات تشاورية جامعة لذلك الغرض.
وكذلك الاستثمار في التعليم الجامع، والإعلام التعددي والمستقل، والمنصات الثقافية التي تناهض الصور النمطية والمعلومات المضللة، مع إشراك الأقليات في إعداد المحتوى التعليمي.
وطالبت الورقة بإزالة الحواجز أمام مشاركة الأقليات في الهيئات المنتخبة والإدارة العامة والقضاء، واتخاذ تدابير خاصة عند اللزوم لتحقيق المساواة الفعلية، وكذلك حماية لغات الأقليات وثقافاتها وتراثها، ودعم التعليم بلغات الأقليات، وضمان وصول النساء والشباب من الأقليات إلى تعليم جيد وخدمات ملائمة ثقافيا، والاعتراف بهويات الأقليات في الأطر القانونية ونظم البيانات، وفقًا لمبادئ تحديد الهوية الذاتي وحماية البيانات، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان من أفراد الأقليات وضمان بيئة آمنة ومواتية لعملهم.
الأقليات وبناء السلام
شددت الورقة الأممية على ضرورة إشراك الأقليات منذ البداية في عمليات منع النزاعات وبناء السلام والعدالة الانتقالية، بما يشمل مفاوضات السلام وآليات المساءلة، وضمان أن تعكس تدابير العدالة مفاهيم متعددة للإنصاف، بما في ذلك التعويضات الجماعية عند الاقتضاء.
كما دعت إلى تمكين الأقليات عبر بناء القدرات وتوفير المعلومات وتدابير الحماية، حتى تكون شريكًا كاملًا لا مجرد ضحية.
واقترح المشاركون النظر في عقد قمة عالمية بشأن قضايا الأقليات لضمان حضورها في أجندة ما بعد 2030، ودعوا الأمم المتحدة إلى إدماج منظور الأقليات منهجيًا في برامجها على المستويين الإقليمي والقُطري.
في جوهرها، لا تقدم الورقة وعودًا نظرية، بل تذكيرًا بسيطًا وعميقًا بأن المجتمعات التي تعترف بتنوعها وتحميه وتستثمر فيه، هي وحدها القادرة على الصمود، فالأقليات، حين تُمنح المساحة والاعتراف، لا تطلب أكثر من حقها في أن تكون جزءًا من الحاضر وصانعة للمستقبل.











