سجون بلا حماية.. تقارير حقوقية تكشف هشاشة أوضاع المعتقلين في طهران

سجون بلا حماية.. تقارير حقوقية تكشف هشاشة أوضاع المعتقلين في طهران
أحد السجون في إيران

في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت أوضاع السجون داخل إيران، خصوصًا في طهران، بوصفها واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا وتعقيدًا، فمع امتداد العمليات العسكرية إلى الداخل الإيراني، لم تعد السجون مجرد مرافق احتجاز مغلقة، بل تحولت إلى نقاط ضعف إنسانية معرضة بشكل مباشر لتداعيات الحرب، في وقت تتزايد فيه التقارير حول تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية للسجناء.

وتشير المعلومات الواردة إلى أن سجن إيفين، أحد أبرز السجون في طهران، تعرض لاستهداف جزئي خلال هجوم صاروخي، ما أثار حالة من القلق بشأن سلامة المحتجزين داخله، ويضم هذا السجن عددًا كبيرًا من السجناء السياسيين والأجانب، إضافة إلى سجناء قضايا جنائية، ما يجعله مركزًا حساسًا في المشهد الحقوقي الإيراني، وحتى الآن، لم تصدر معلومات رسمية واضحة حول حجم الأضرار أو أوضاع السجناء بعد الهجوم، وهو ما يزيد من حالة الغموض التي تحيط بالوضع وفق منظمة حقوق الإنسان الإيرانية.

وكان سجن إيفين قد تعرض سابقاً في 23 يونيو 2025، لهجوم أسفر عن مقتل 80 شخصاً على الأقل، بينهم خمسة سجناء و41 من موظفي السجن و13 جندياً عسكرياً، وفقاً للسلطات الإيرانية.

ويضم السجن آلاف السجناء من الرجال والنساء، بينهم معارضون سياسيون بارزون، ومدافعون ومدافعات عن حقوق الإنسان، وصحفيون، ومواطنون مزدوجو الجنسية، وأجانب، بالإضافة إلى أفراد من أقليات دينية وعرقية.

حالة طوارئ غير معلنة

تزامنًا مع ذلك، دخلت السجون الإيرانية في حالة طوارئ غير معلنة، حيث توقفت الأنشطة اليومية بشكل شبه كامل، وسط تقارير تفيد بانسحاب بعض الموظفين وإغلاق مرافق أساسية داخل السجون، وتشير شهادات وتقارير إلى أن السجناء واجهوا صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والمياه، في ظل إغلاق متاجر السجون التي يعتمدون عليها لتأمين احتياجاتهم اليومية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل الزنازين.

غياب إجراءات السلامة وانقطاع التواصل

وفي سياق متصل، تبرز مخاوف جدية بشأن غياب إجراءات السلامة داخل السجون، فقد أفادت تقارير من عدة مناطق، منها أورمية وقزل حصار، بأن السجناء تُركوا دون أي وسائل حماية أو خطط إخلاء، في حين تم إغلاق الزنازين خلال أوقات القصف، ما حرمهم من أي فرصة للنجاة أو الاحتماء، ويعكس هذا الوضع فجوة واضحة في تطبيق معايير الحماية الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.

بحسب تقرير مركز حقوق الإنسان في إيران 2026 وبيانات حديثة لمنظمة هنغاو لحقوق الإنسان خلال مارس الجاري، شهدت الفترة الأخيرة عمليات نقل واسعة للسجناء، خاصة السجناء السياسيين، إلى أماكن غير معلومة، دون إخطار عائلاتهم أو محاميهم، وتشير التقارير إلى أن بعض السجناء نُقلوا من سجون في أصفهان ومدن أخرى إلى مواقع مجهولة، ما يثير مخاوف من حالات اختفاء قسري أو احتجاز غير معلن، وفي الوقت نفسه تم الإفراج المؤقت عن مئات السجناء في بعض المناطق بكفالات، في محاولة على ما يبدو لتخفيف الضغط داخل السجون، إلا أن هذه الإجراءات لم تشمل جميع الفئات.

وتعيش عائلات السجناء حالة من القلق المتزايد في ظل انقطاع التواصل وغياب المعلومات، حيث لا تتوفر بيانات رسمية كافية حول أماكن وجود المحتجزين أو أوضاعهم الصحية، ويؤدي هذا الغموض إلى تفاقم الأثر النفسي للأزمة، ويزيد من صعوبة متابعة الحالات أو تقديم الدعم القانوني والإنساني.

قيود الحصول على الغذاء والمياه

تشير تقارير منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن السجناء في إيران واجهوا قيودًا شديدة في الحصول على الغذاء والمياه، وسط إغلاق متاجر السجن التي تمثل مصدرًا أساسيًا لتأمين الاحتياجات اليومية، وفي ظل الغارات الجوية، بقي السجناء دون أي وسائل حماية، حيث تم إغلاق الزنازين في أوقات الطوارئ، ما منعهم من الاحتماء أو النجاة، وهذه الظروف تشكل خرقًا للمعايير الدولية الدنيا الخاصة بمعاملة السجناء، ومنها اتفاقيات جنيف التي تفرض على السلطات حماية الأشخاص المحرومين من الحرية.

الإهمال الطبي

يواجه المعتقلون في السجون الإيرانية واقعاً مأساوياً بعدما كشفت تقارير حقوقية استمرار سياسة الإهمال الطبي الممنهج داخل المعتقلات، وأوضحت هذه التقارير أن السجناء المرضى يُتركون دون علاج مناسب، ما يؤدي إلى تدهور أوضاعهم الصحية وصولاً إلى وفاة بعضهم في ظروف غامضة.

وسبق أن أعلن ثلاثون سجيناً سياسياً محتجزون في سجن إيفين بياناً شديد اللهجة ضد السلطات القضائية ومسؤولي السجن، مؤكدين أن وفاة الناشطة السياسية سمية رشيدي كانت مثالاً مباشراً لهذا الإهمال وعدم الكفاءة في إدارة شؤون المعتقلين منوهين أن هناك نمطاً متكرراً يعكس تقصيراً ممنهجاً وانتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان داخل السجون الإيرانية.

وقد اتهمت منظمة العفو الدولية، مسؤولي السجون الإيرانية بارتكاب انتهاكات مروّعة للحق في الحياة من خلال حرمان السجناء المرضى عمدًا من الرعاية الصحية المنقذة للحياة.

وذكرت المنظمة في تقرير على موقعها الرسمي بعنوان “في غرفة انتظار الموت، الوفيات في الحجز إثر الحرمان المتعمَّد من الرعاية الصحية في السجون الإيرانية” أن الانتهاكات تتضمن رفض التحقيق وضمان المساءلة عن حالات الوفاة غير القانونية بين المساجين أثناء الاحتجاز ومنع أو تأخير وصول السجناء إلى المستشفى في حالات الطوارئ.

مخاوف حقوقية

على الصعيد الحقوقي، أثارت هذه التطورات ردود فعل متزايدة من قبل منظمات حقوق الإنسان التي حذرت من أن أوضاع السجون في إيران تشهد تدهورًا خطيرًا، وأكدت هذه المنظمات أن احتجاز الأفراد في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية، خاصة خلال العمليات العسكرية، قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني الذي يلزم الدول بضمان سلامة الأشخاص المحرومين من حريتهم.

كما دعت أصوات حقوقية إلى الإفراج الفوري عن السجناء السياسيين، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للخطر، في ظل غياب الضمانات القانونية والإنسانية، وبرزت دعوات لاتخاذ إجراءات عاجلة تشمل الإفراج المشروط أو منح إجازات مؤقتة للسجناء الآخرين، أو نقلهم إلى أماكن أكثر أمانًا بما يتماشى مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية السجناء في أوقات النزاع وفق تقرير الأمم المتحدة الصادر عن المقرر الخاص حول حقوق الإنسان في إيران، في فبراير الماضي.

وتواجه أوضاع السجناء والمعتقلين في إيران انتقادات متكررة من قبل المنظمات الحقوقية الدولية والإيرانية والهيئات الأممية التي تشير إلى نمط مستمر من الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة وغياب الضمانات القانونية الأساسية. فقد وثّقت تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حالات تتعلق بحرمان السجناء من المحاكمة العادلة، واستخدام الحبس الانفرادي لفترات طويلة، إضافة إلى القيود المفروضة على التواصل مع العائلات والمحامين، كما أشارت هذه التقارير إلى تدهور الأوضاع الصحية داخل السجون، خاصة في ظل الاكتظاظ ونقص الرعاية الطبية، وهو ما يُعد، وفق توصيفها، انتهاكًا للمعايير الدولية الدنيا لمعاملة السجناء.

كما تعكس مواقف المنظمات الحقوقية الإيرانية المستقلة رؤية متقاربة إزاء أوضاع السجناء، حيث تؤكد أن ما يجري داخل السجون يتجاوز كونه تحديات إدارية إلى أزمة حقوقية ممنهجة تتفاقم في أوقات التوترات الأمنية، فقد دأبت جهات مثل منظمة هنغاو لحقوق الإنسان ومركز حقوق الإنسان في إيران على التحذير من تصاعد الانتهاكات، مشيرة إلى أن السجناء، خاصة السياسيين منهم، يواجهون ظروف احتجاز قاسية تشمل الاكتظاظ ونقص الرعاية الطبية وغياب الضمانات القانونية، كما تؤكد هذه المنظمات أن نقل المعتقلين إلى أماكن غير معلومة أو منع التواصل مع ذويهم يعكس نمطًا يثير مخاوف من الاختفاء القسري، في حين شددت على أن استمرار احتجاز السجناء في ظل الظروف الأمنية الحالية، دون توفير حماية أو إجراءات طوارئ، يضاعف المخاطر على حياتهم ويخالف المعايير الدولية التي تلزم السلطات بضمان سلامة جميع المحتجزين دون تمييز.

وعلى المستوى الأممي، أعربت جهات تابعة للأمم المتحدة، ومنها المقررون الخاصون المعنيون بحقوق الإنسان في إيران، عن قلقها إزاء استمرار احتجاز النشطاء والصحفيين والمعارضين السياسيين في ظروف وصفت بأنها غير إنسانية، كما أكدت هذه الهيئات أن نقل السجناء إلى أماكن غير معلومة، أو احتجازهم دون تمكينهم من التواصل مع العالم الخارجي، قد يرقى إلى مستوى الاختفاء القسري، ودعت إلى ضرورة التزام السلطات الإيرانية بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، وضمان الشفافية في إدارة أماكن الاحتجاز، والإفراج عن المعتقلين على خلفية آرائهم السلمية، خاصة في ظل تفاقم المخاطر الناتجة عن الظروف الأمنية الحالية.

وتستند المطالب الحقوقية والأممية إلى قواعد القانون الدولي التي تؤكد ضرورة حماية المدنيين، ومنهم السجناء، من آثار النزاعات المسلحة. وتنص اتفاقيات جنيف على وجوب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان سلامة المحتجزين، ومن ذلك توفير الغذاء والرعاية الصحية والحماية من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، كما يشدد القانون الدولي لحقوق الإنسان على الحق في الحياة والأمن الشخصي، وضرورة عدم تعريض الأفراد لمعاملة قاسية أو لاإنسانية.

انتهاكات متعددة

غير أن تطبيق المعايير الإنسانية يواجه تحديات كبيرة في السياق الإيراني، حيث تعاني السجون أصلًا من انتقادات مزمنة تتعلق بالاكتظاظ وسوء المعاملة وغياب المحاكمات العادلة، وقد وثقت تقارير سابقة لمنظمات دولية حالات متعددة من الاحتجاز التعسفي والانتهاكات داخل السجون، ما يجعل الوضع الحالي امتدادًا لأزمة قائمة تفاقمت بفعل الحرب.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد السجناء في إيران يصل إلى مئات الآلاف، بينهم نسبة ملحوظة من السجناء السياسيين وسجناء الرأي، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع في ظل محدودية الموارد وتزايد الضغوط الأمنية، كما أن القيود المفروضة على عمل المنظمات الدولية داخل البلاد تعوق الوصول إلى تقييم دقيق للأوضاع، وتحد من إمكانية تقديم المساعدة.

مخاطر مزدوجة

في ظل هذه المعطيات، تبدو السجون الإيرانية، خاصة في طهران، جزءًا لا يتجزأ من الأزمة الإنسانية الأوسع التي تعيشها البلاد، فالحرب لم تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل امتدت إلى داخل الزنازين، حيث يجد السجناء أنفسهم في مواجهة خطر مزدوج يتمثل في ظروف الاحتجاز الصعبة من جهة، والتهديدات الأمنية المباشرة من جهة أخرى.

ومع استمرار التصعيد، تزداد الحاجة إلى تحرك دولي يركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها السجناء، من خلال الضغط لضمان الالتزام بالمعايير الإنسانية، وتوفير قنوات لمراقبة الأوضاع داخل السجون، كما تبرز أهمية الشفافية في تقديم المعلومات حول أوضاع المحتجزين، ما يسهم في الحد من المخاوف ويتيح متابعة قانونية وإنسانية فعالة.

في المحصلة، تعكس أوضاع السجناء في طهران صورة مركبة لأزمة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والإنسانية والقانونية، حيث تتفاقم الانتهاكات في ظل غياب الحماية الكافية، وتبقى حياة آلاف المحتجزين معلقة بين جدران السجون وتداعيات حرب مفتوحة لا تزال ملامحها في طور التشكل.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية