مجلس حقوق الإنسان: كرامة البشر تمتد لما بعد الوفاة وحماية طقوس الجنازة من الحرية
أمام الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان
أوصت المقررة الخاصة المعنية بحرية الدين أو المعتقد بضرورة التزام الدول باتخاذ تدابير تشريعية وإدارية واضحة تضمن احترام كرامة الإنسان بعد الوفاة، مؤكدة أن حقوق الجنازة –بما في ذلك تجهيز الجثمان، وطقوس الدفن، والمراسم التذكارية، وحماية أماكن الدفن– تندرج ضمن نطاق حرية الدين أو المعتقد، وأن أي قيود تُفرض عليها يجب أن تستوفي معايير الشرعية والضرورة والتناسب، وألا تكون تمييزية أو قائمة على استهداف فئة بعينها.
وشددت على أهمية اعتماد أقل التدابير تقييدًا، وتعزيز آليات المساءلة والوقاية، وضمان عدم استخدام القيود كأداة للضغط على الأسر أو المجتمعات لتغيير معتقداتها أو الحد من هويتها الدينية أو الثقافية.
جاء ذلك خلال حوار تفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بحرية الدين أو المعتقد، عُقد ضمن فعاليات الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، اليوم الثلاثاء، وخُصص لمناقشة تقريرها حول العلاقة بين حرية الدين أو المعتقد ومسألة الوفاة وكرامة تكريم الموتى، بمشاركة واسعة من الدول والمجموعات الإقليمية والمنظمات المعنية.
الكرامة لا تنتهي بالموت
استعرضت المقررة الخاصة في تقريرها الإطار القانوني الدولي الذي يحمي طقوس الدفن وتكريم الموتى، موضحة أن هذه الحقوق لا تُعد مسائل اجتماعية أو ثقافية فحسب، بل تدخل في صميم حرية الدين أو المعتقد كما كفلتها المواثيق الدولية.
وأكدت أن تجهيز الجثمان، والغسل، والتكفين، والتحنيط أو الحرق أو الدفن وفق الطقوس المعتمدة، وإقامة الصلوات والمواكب الجنائزية، وإحياء الذكرى، جميعها ممارسات محمية طالما تمت في إطار يحترم النظام العام والصحة العامة دون تمييز.
وأشارت إلى أن القيود التي تُفرض أحيانًا على هذه الطقوس قد تتجاوز ما هو ضروري، لا سيما في سياقات تتعلق بالأقليات الدينية أو الجماعات ذات الأصول الأفريقية أو الشعوب الأصلية، حيث رُصدت حالات تخريب أو تدنيس للمقابر، أو نقل رفات دون موافقة المجتمعات المعنية، ما يُعد مساسًا بالكرامة الإنسانية وبالحقوق الثقافية والروحية المرتبطة بالهوية.
كما أكدت أن حقوق الجنازة ترتبط بمجموعة أوسع من الحقوق، من بينها الحق في عدم التمييز، والحق في الخصوصية والحياة الأسرية، وحرية التجمع، والحقوق الثقافية، بل وفي بعض الحالات الحق في عدم التعرض لمعاملة قاسية أو لا إنسانية إذا مُنع ذوو المتوفى من أداء شعائرهم بصورة تعسفية.
وشددت على أن التوازن بين حماية الصحة العامة واحترام المعتقدات الدينية يجب أن يتم في إطار قانوني واضح ومحدد، مع مراعاة السياق الثقافي والديني لكل مجتمع.
الدول العربية بصدارة المداخلات
تصدر وفد دولة الإمارات العربية المتحدة مداخلات الدول، مؤكدًا التزام الدولة بحماية حرية الدين أو المعتقد باعتبارها حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، وبأن صون الكرامة الإنسانية يمتد إلى ما بعد الوفاة.
وأوضح أن الأطر الدستورية والتشريعية في الدولة تكفل احترام الطقوس الجنائزية لمختلف الديانات، بما يراعي متطلبات الصحة العامة ويحفظ الخصوصيات الدينية والثقافية للجاليات المقيمة، في إطار يعكس التعددية الدينية التي يحتضنها المجتمع الإماراتي ونهجه القائم على التسامح والتعايش.
ومن جانبها، أكدت المملكة العربية السعودية، نيابة عن الدول العربية، أن كرامة الإنسان بعد الوفاة لا تقل أهمية عن كرامته في حياته، مشددة على ضرورة احترام الشعائر والرموز الدينية، ومعربة عن أسفها لأي أعمال تدنيس أو انتهاك لحرمة المقابر، باعتبارها ممارسات تقوض قيم الاحترام المتبادل وتؤجج مشاعر الكراهية.
كما شددت مملكة البحرين، نيابة عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، على أن إكرام الميت يمثل مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية، مؤكدة أهمية تحقيق التوازن بين احترام الطقوس الدينية ومتطلبات النظام العام والصحة العامة، بما يضمن حماية المجتمع دون الإخلال بالحقوق الأساسية.
وأكدت باكستان، متحدثة باسم منظمة التعاون الإسلامي، أن ممارسات الدفن وتكريم الموتى تعبير جوهري عن الإيمان، مشيرة إلى القلق من تقارير تفيد بفرض قيود على بعض الشعائر الجنائزية أو تدمير مقابر في مناطق مختلفة، ومشددة على ضرورة صون هذه الحقوق في جميع الظروف.
مواقف إقليمية ودولية
بدوره، جدد الاتحاد الأوروبي التأكيد على أن حرية الدين أو المعتقد تمثل حجر زاوية في بناء مجتمعات شاملة تحترم التنوع، داعيًا إلى حماية هذا الحق للجميع دون تمييز، بمن فيهم أتباع الديانات المختلفة وغير المؤمنين، وضمان أن تكون أي قيود مفروضة متوافقة مع القانون الدولي.
وتحدثت كينيا باسم المجموعة الإفريقية، مؤكدة أن الطقوس الجنائزية تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز التضامن المجتمعي والحفاظ على الروابط الأسرية والثقافية، مع التأكيد على أن أي قيود يجب أن تكون ضرورية وغير تمييزية ومتناسبة مع الهدف المشروع.
كما أعربت مجموعة من الدول الأوروبية، من بينها النرويج وفنلندا والدنمارك وإستونيا وأيسلندا، عن دعمها للتوصيات الواردة في التقرير، مؤكدة أن حقوق الجنازة جزء لا يتجزأ من حرية الدين أو المعتقد، وأن حماية أماكن الدفن وملاحقة أعمال التخريب تمثلان التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا.
وأكدت نيجيريا التزامها بحماية دور العبادة وأماكن الدفن وملاحقة الهجمات التي تستهدفها، فيما شددت مالطا على أهمية ضمان الوصول إلى المقابر وعدم عرقلة مراسم الدفن.
وأشار الكرسي الرسولي إلى أن دفن الموتى واجب ديني يعكس الإيمان بالحياة الآخرة واحترام الكرامة الإنسانية، مؤكدًا حق المحتضر في الدعم الروحي.
نحو إطار متكامل للحماية
أبرزت المناقشات الحاجة إلى تطوير أطر قانونية وإجرائية أكثر وضوحًا تكفل احترام الطقوس الجنائزية في الظروف الاعتيادية والاستثنائية، بما في ذلك حالات النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية أو الأوبئة.
كما دعت المقررة إلى تعزيز التعاون مع المجتمعات المحلية والزعماء الدينيين ومنظمات المجتمع المدني لضمان فهم أعمق لخصوصيات الممارسات الدينية والثقافية.
وشددت على أن حماية حقوق الجنازة تسهم في تعزيز السلم المجتمعي ومنع التوترات، إذ إن المساس بحرمة الموتى قد يتحول إلى عامل توتر أو نزاع إذا لم يُعالج بصورة عادلة وشفافة.
وأكدت أن احترام التنوع الديني والثقافي في هذا السياق يعكس التزام الدول بمبادئ الكرامة والمساواة وعدم التمييز.
الكرامة قيمة متأصلة
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن الكرامة الإنسانية قيمة متأصلة لا تنتهي بوفاة الإنسان، بل تظل حاضرة في كيفية التعامل مع جسده وذكراه وطقوس وداعه.
وأجمعت غالبية المداخلات على أهمية ترسيخ حرية الدين أو المعتقد في جميع مراحل الحياة، بما في ذلك ما بعدها، باعتبار ذلك جزءًا من منظومة متكاملة لحماية حقوق الإنسان وتعزيز التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمعات.











