بين الحرب والقمع.. تحذيرات حقوقية من تدهور أوضاع المعتقلين في إيران
بين الحرب والقمع.. تحذيرات حقوقية من تدهور أوضاع المعتقلين في إيران
مع تصاعد التوترات الأمنية واتساع نطاق الأزمات الإقليمية، تتزايد المخاوف الحقوقية الدولية من تفاقم ظاهرة الاعتقال التعسفي في إيران، وسط تحذيرات من أن الظروف الأمنية المشحونة غالباً ما تؤدي إلى تضييق الحريات الأساسية وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والقضائية، ويشير خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية إلى أن اشتداد النزاعات يخلق بيئة تسمح بتجاوز الضمانات القانونية، ما يهدد سلامة الأفراد ويقوض أسس العدالة وسيادة القانون.
وفي هذا السياق حذر أكثر من 200 محامٍ ومنظمة قانونية دولية في بيان مشترك من القيود المتزايدة التي تواجه المحتجزين في إيران للحصول على استشارة قانونية مستقلة، مؤكدين أن هذه القيود تمثل انتهاكاً مباشراً للحقوق الأساسية المكفولة في القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، وأشار البيان إلى أن عدداً من المحامين الذين تولوا الدفاع عن المحتجزين تعرضوا لضغوط وملاحقات قضائية، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى اعتقالهم، ما يثير مخاوف جدية بشأن استقلالية مهنة المحاماة وإمكانية حصول المتهمين على دفاع قانوني عادل.
اتساع نطاق الاعتقالات
وبحسب البيانات الحقوقية الحديثة فقد اتسع نطاق الاعتقال في إيران خلال السنوات الأخيرة، حيث وثقت منظمات حقوقية اعتقال أكثر من 18 ألف شخص خلال الاحتجاجات الشعبية منذ عام 2022، في حين جرى اعتقال أكثر من 700 شخص إضافي في سياق التوترات الأمنية واتهامات التجسس خلال عام 2025، كما تشير تقديرات منظمات دولية إلى وجود نحو 3000 سجين على الأقل ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في السجون الإيرانية، بينهم عشرات القاصرين، في حين يواجه ما لا يقل عن 42 سجيناً سياسياً خطر الإعدام بعد محاكمات مثيرة للجدل، وفي عام 2025 وحده وثقت تقارير حقوقية اعتقالاً أو اختفاءً قسرياً لما لا يقل عن 1552 شخصاً، ما يعكس اتساع نطاق استخدام الاحتجاز أداة للسيطرة السياسية والأمنية.
انتهاك الحقوق الدستورية
وتشير التحذيرات الحقوقية إلى أن حرمان المحتجزين من الوصول إلى محامٍ في المراحل الأولى من الاعتقال يمثل أحد أخطر مظاهر انتهاك الإجراءات القانونية داخل إيران، إذ يفتح المجال أمام انتزاع اعترافات تحت الإكراه أو التعذيب، وتؤكد تقارير حقوقية أن هذا النمط من الانتهاكات غالباً ما يحدث في ظل الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، حيث يبقى المعتقلون لفترات طويلة دون اتصال بمحامٍ أو عائلاتهم، ما يزيد من مخاطر سوء المعاملة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وتستند هذه المخاوف إلى نصوص واضحة في الدستور الإيراني نفسه، حيث تنص المادة 22 على صون الحقوق المدنية للأفراد، في حين تؤكد المادة 32 حظر التوقيف والسجن التعسفي، وتنص المادة 35 على حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ، في حين تحظر المادة 38 ممارسة التعذيب بأي شكل من الأشكال، كما تنص المادة 34 على حق كل فرد في اللجوء إلى القضاء لضمان حقوقه، إضافة إلى المادة 26 المتعلقة بحرية المعتقد والتنظيم، إلا أن منظمات حقوقية تشير إلى فجوة متزايدة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي في ظل الظروف الأمنية المتوترة.
وحذر مركز الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران من أن تقييد حق المحتجزين في الوصول إلى محامين مستقلين يقوض أحد أهم الضمانات القانونية للمحاكمة العادلة، ويضعف ثقة المواطنين في النظام القضائي، ويرى المركز أن التحرك القانوني الدولي الذي قاده المحامون والمنظمات الحقوقية يمثل خطوة مهمة للضغط من أجل حماية حقوق المحتجزين وضمان التزام السلطات بالمعايير الدولية المتعلقة بالمحاكمات العادلة.
كما تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن الاعتقال التعسفي في إيران يمثل ظاهرة متكررة خلال فترات الاضطرابات السياسية أو الأمنية، فقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقاريرها الأخيرة احتجاز آلاف الأشخاص خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ عام 2022، مشيرة إلى أن العديد من المعتقلين واجهوا اتهامات فضفاضة تتعلق بالأمن القومي أو الدعاية ضد الدولة، وتؤكد المنظمة أن هذه الاتهامات غالباً ما تُستخدم لتقييد حرية التعبير أو معاقبة المعارضين السياسيين والنشطاء.
كما تشير تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن السلطات الإيرانية نفذت موجات واسعة من الاعتقالات خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، حيث أُوقف آلاف المتظاهرين والصحفيين والنشطاء، وأفاد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران أن بعض المعتقلين تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة داخل السجون ومراكز الاحتجاز، في حين حُرم كثير منهم من الوصول الفوري إلى محامين مستقلين أو محاكمات عادلة.
اعتقالات مرتبطة بالاحتجاجات الأخيرة
تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن موجات الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الأعوام الأخيرة، خصوصاً منذ عام 2022، أدت إلى اعتقال أكثر من 18 ألف شخص خلال حملات القمع الأمني التي رافقت الاحتجاجات الشعبية، وتشمل هذه الاعتقالات متظاهرين ونشطاء سياسيين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال.
في أعقاب التوترات العسكرية والصراع الإقليمي عام 2025، أفادت تقارير إعلامية بأن السلطات الإيرانية اعتقلت أكثر من 700 شخص بتهم تتعلق بالتجسس أو التعاون مع جهات أجنبية، في إطار إجراءات أمنية مشددة شملت إنشاء محاكم خاصة للنظر في هذه القضايا، وفق صحيفة "اللوموند".
السجناء المحكوم عليهم بالإعدام
تشير تقديرات منظمة معاً ضد عقوبة الإعدام (ECPM) (منظمة دولية مقرها فرنسا) إلى وجود نحو 3000 سجين على الأقل في إيران ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام داخل السجون الإيرانية، بينهم عشرات القاصرين الذين كانوا دون 18 عاماً وقت ارتكاب الجرائم المنسوبة إليهم، في حين تفيد تقارير منظمة حقوق الإنسان الإيرانية بأن ما لا يقل عن 42 سجيناً سياسياً صدرت بحقهم أحكام بالإعدام في إيران، وسط مخاوف من تنفيذ هذه الأحكام بعد محاكمات وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها تفتقر إلى معايير العدالة.
وبحسب المفوضية السامية لحقوق الإنسان فقد دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى تعليق فوري لتطبيق عقوبة الإعدام في إيران، مؤكداً أن تنفيذ الإعدامات ضد المحتجين، وخصوصاً القاصرين، يمثل انتهاكاً صارخاً للمعايير الدولية، ومنها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منع التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة، ويرى المجتمع الدولي أن ضمان حق الوصول إلى محاكمة عادلة، ووقف عقوبة الإعدام بوصفه حداً أدنى من الالتزام بالمعايير الدولية، يمثلان اختباراً حاسماً لقدرة إيران على احترام حقوق الإنسان.
الاعتقالات والانتهاكات المسجلة خلال عام 2025
وثقت منظمة “هنغاو” لحقوق الإنسان اعتقالاً أو اختفاءً قسرياً لما لا يقل عن 1552 شخصاً في إيران خلال عام 2025 فقط، في سياق تصاعد الانتهاكات الأمنية والقضائية ضد النشطاء والمدنيين.
وتشير بيانات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى أن إيران نفذت ما لا يقل عن 901 عملية إعدام خلال عام 2024، وهو رقم يعكس حجم السجناء المحكوم عليهم بعقوبات قاسية في النظام القضائي الإيراني.
وتظهر البيانات الحقوقية أن النساء والناشطين السياسيين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من الفئات الأكثر عرضة للاعتقال التعسفي في إيران، فقد وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" اعتقال عدد كبير من الناشطات والصحفيات خلال الأعوام الأخيرة، إضافة إلى محاكمات لمدافعين عن حقوق الإنسان بتهم تتعلق بالأمن القومي، وهي تهم اعتبرتها المنظمة فضفاضة وتُستخدم لتقييد النشاط الحقوقي والسياسي السلمي.
وتتفاقم هذه المخاوف مع تدهور الوضع الأمني في المنطقة، إذ تشير تقارير تحليلية إلى أن الحكومات تميل في أوقات الأزمات الأمنية أو الحروب إلى تشديد الإجراءات الاستثنائية وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الضمانات القانونية. وفي الحالة الإيرانية، يرى مراقبون أن التوترات الإقليمية والضغوط السياسية الداخلية قد تؤدي إلى تشديد الرقابة على المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمعارضين السياسيين، وفق تقارير تحليلية لمعهد كارنيغي.
وتشير الإحصاءات الصادرة عن منظمات العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن إيران تعد من الدول التي تضم عدداً كبيراً من السجناء السياسيين في المنطقة، فقد وثقت تقارير حقوقية وجود مئات المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي في السجون الإيرانية، بينهم صحفيون ونشطاء حقوقيون وأكاديميون، كما تشير البيانات إلى صدور أحكام بالسجن لسنوات طويلة بحق عدد من هؤلاء المعتقلين بعد محاكمات وصفتها المنظمات الدولية بأنها تفتقر إلى معايير العدالة.
وتؤكد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان أن الاعتقال التعسفي يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في مادته التاسعة على أنه "لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً"، كما يضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق كل شخص في الحرية والأمان على شخصه وحقه في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة، وتؤكد هذه المواثيق كذلك ضرورة تمكين المعتقلين من التواصل مع محامين مستقلين منذ اللحظة الأولى للاحتجاز.
وفي ظل هذه التطورات، تدعو المنظمات الحقوقية الدولية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لضمان حماية حقوق المحتجزين في إيران، ومنها السماح الفوري للمعتقلين بالحصول على استشارة قانونية مستقلة، والتحقيق في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، وضمان شفافية الإجراءات القضائية، كما تؤكد هذه المنظمات أن احترام سيادة القانون والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان يمثلان شرطاً أساسياً لحماية الحقوق الأساسية للأفراد والحفاظ على الثقة في النظام القضائي.











